ارتفاع السيولة وتراجع الاستثمار: مؤشرات مقلقة في بيان مصرف ليبيا المركزي

بقلم: عثمان الدعيكي
أصدر مصرف ليبيا المركزي بيانًا موسعًا حول الإيرادات والإنفاق العام للفترة الممتدة من الأول من يناير وحتى 30 نوفمبر 2025، وهو بيان يقدم قراءة في الوضع المالي للدولة ويكشف عن ملامح التحديات الاقتصادية التي تواجهها ليبيا خلال المرحلة الراهنة. ويأتي نشر هذا البيان، كما أوضح المصرف، ضمن سياسة الإفصاح والشفافية التي يسعى إلى تعزيزها، في محاولة لإتاحة البيانات أمام الرأي العام والباحثين وتمكينهم من فهمٍ أدق لتطورات المالية العامة.
تشير الأرقام الواردة في البيان إلى أن إجمالي الإيرادات خلال الفترة بلغ نحو 115.4 مليار دينار ليبي، جاءت أغلبها من قطاع النفط الذي يشكل العمود الفقري للاقتصاد الوطني. فقد بلغت إيرادات مبيعات النفط نحو 93.3 مليار دينار، فيما سجلت الإتاوات النفطية نحو 16 مليارًا، ليبلغ مجموع الإيرادات النفطية نحو 109.3 مليار دينار. أما الإيرادات غير النفطية فقد بقيت محدودة، إذ لم تتجاوز مليار دينار من الضرائب و146 مليونًا من الجمارك، إضافة إلى إيرادات الاتصالات التي بلغت 192 مليونًا. كما سجل المصرف أرباحًا قدرت بنحو 450 مليون دينار، إلى جانب 4.3 مليار دينار تحت بند “إيرادات أخرى” التي تشمل رسوم الجوازات والغرامات وتمليك السيارات وغيرها من الرسوم السيادية. وتعكس هذه الأرقام استمرار اعتماد المالية العامة بشكل شبه كامل على النفط، في ظل عدم قدرة الإيرادات غير النفطية على تحقيق مساهمة مؤثرة رغم اتساع حجم الأنشطة الاقتصادية في عدد من القطاعات.
أما في جانب الإنفاق، فقد بلغت النفقات العامة نحو 107.5 مليار دينار حتى نهاية نوفمبر، موزعة على الأبواب الخمسة المحددة للميزانية. ويستحوذ باب المرتبات على النصيب الأكبر بقيمة 61.2 مليار دينار، مع الإشارة التي قدمها المصرف بأن الرقم لا يشمل مرتبات شهر نوفمبر، وهو ما يعني أن الإنفاق الفعلي على الرواتب أعلى من المعلن. كما بلغ الإنفاق على باب التسيير نحو 5.8 مليار، بينما سجل باب التنمية 7.2 مليار فقط، وهو رقم يعكس ضعف الاستثمار في المشاريع والبنية التحتية مقارنة بما تحتاجه البلاد بعد ما يزيد على عقد من الزمان توقفت فيه عجلة الاقتصاد وتراجعت فيه وتيرة الانتاج. أما باب الدعم فقد وصل إلى 33.3 مليار دينار، وهو بند يشمل دعم المحروقات إضافة إلى علاوة الزوجة والأبناء، فضلاً عن مرتبات لعدد من الجهات والمؤسسات العامة، ما يشير إلى تداخل كبير بين الدعم الاجتماعي والإنفاق التشغيلي.
ويكشف البيان كذلك عن تفاصيل الإنفاق على مستوى القطاعات والوزارات، حيث جاءت وزارة المالية في المرتبة الأولى من حيث حجم الإنفاق بما يتجاوز 25 مليار دينار، تلتها وزارة النفط والغاز التي بلغ إنفاقها 22.5 مليار دينار، بينما سجلت وزارة الشؤون الاجتماعية أكثر من 14.9 مليار دينار. كما بلغ إنفاق وزارة الصحة نحو 6 مليارات دينار، ووزارة الداخلية ما يقارب 6 مليارات أيضًا، في حين توزعت بقية النفقات على وزارات العدل والخارجية والتعليم والاقتصاد والمواصلات وغيرها من القطاعات. ويعكس هذا التوزيع استمرار هيمنة الإنفاق الجاري على حساب الإنفاق التنموي، وهو ما يمثل أحد أبرز التحديات أمام تحقيق نمو اقتصادي مستدام.
فيما يتعلق بالنقد الأجنبي، قدم المصرف المركزي بيانات توضح تطور الإيرادات النفطية بالدولار، حيث بلغت خلال الفترة المذكورة نحو 20.7 مليار دولار، في حين وصلت استخدامات النقد الأجنبي إلى 28.5 مليار دولار، مسجلة عجزًا بنحو 7.8 مليار دولار. ويوضح المصرف أن هذا العجز جاء نتيجة تراجع الإيرادات النفطية خلال الأشهر الأخيرة من العام، مقابل ارتفاع في حجم الطلب على النقد الأجنبي عبر الاعتمادات المستندية والحوالات الشخصية واستخدامات الأفراد. وكشف المصرف أنه قام بتغطية العجز عبر عوائد استثماراته الخارجية ومحفظة الذهب والسندات، الأمر الذي ساهم في رفع الاحتياطيات الأجنبية إلى نحو 99.4 مليار دولار بنهاية نوفمبر، مقارنة بـ95.5 مليار دولار في نهاية عام 2024.
ويشير البيان أيضًا إلى أن إجمالي السيولة الموزعة على المصارف في مختلف المدن الليبية خلال الفترة بلغ 94 مليار دينار، في خطوة تهدف إلى تعزيز الاستقرار النقدي وتلبية احتياجات الجمهور. كما شهدت أنظمة الدفع الإلكتروني ارتفاعًا ملحوظًا، حيث ارتفع عدد نقاط البيع إلى أكثر من 150 ألف نقطة، وزادت حركة العمليات الإلكترونية ليصل حجم التداول عبر المدفوعات الإلكترونية في شهر نوفمبر إلى 43.8 مليار دينار. ويعكس هذا النمو توجهًا متزايدًا نحو الاعتماد على وسائل الدفع الحديثة، سواء من خلال النقاط أو البطاقات أو المحافظ الإلكترونية، ما يشير إلى تطور نوعي في البنية التحتية المالية.
واختتم مصرف ليبيا المركزي بيانه بالتأكيد على أن نشر هذه البيانات التفصيلية يستهدف دعم الشفافية والرقابة العامة، وتمكين الباحثين والمحللين من الاستفادة من البيانات المالية الرسمية. كما دعا إلى ضرورة مراجعة هيكلة الإنفاق العام وتقليص الاعتماد على النفط، في ظل التحديات الاقتصادية المتزايدة والتقلبات المستمرة في سوق الطاقة، مؤكدًا أن استدامة المالية العامة تتطلب إصلاحات جذرية وسياسات أكثر فاعلية في إدارة الموارد وتعزيز الإيرادات غير النفطية.
وختامًا فإن البيان المالي يكشف عن خلل هيكلي واضح بين الإيرادات والإنفاق في ليبيا، رغم ظهور فائض ظاهري ناتج عن اعتماد شبه كامل على النفط وضعف شديد في الإيرادات غير النفطية، إضافة إلى وجود نفقات فعلية غير معلنة بالكامل. وتظهر الأرقام تضخمًا كبيرًا في الإنفاق الجاري، خصوصًا المرتبات والدعم، مقابل تدنٍ لافت في الإنفاق التنموي، ما يعطل فرص النمو ويزيد هشاشة الاقتصاد. كما يعكس العجز في النقد الأجنبي وارتفاع الطلب على العملة الصعبة ضغطًا إضافيًّا تمت تغطيته من الاحتياطيات. وتعبر هذه المؤشرات جميعها عن مسار مالي غير مستدام يستلزم إصلاحات جذرية لضبط الإنفاق وإيقاف الهدر وتنويع مصادر الدخل، مع ضرورة تفعيل القوانين والتشريعات المنظمة للميزانية العامة وحماية المال العام.
