في الذكرى الثانية لرحيله.. إبراهيم أبو خزام: مرجع قانونيّ وعقل فكريّ لا يغيب

تقرير: منيرة محمد
تحُلّ الذكرى الثانية لرحيل إبراهيم مصباح أبو خزام، أحد أبرز العقول القانونية والفكرية في ليبيا خلال العقود الأخيرة، الرجل الذي جمع بين الأكاديمية والسياسة والدبلوماسية والفكر. رحل في 30 نوفمبر 2023 عن عمر ناهز اثنين وسبعين عامًا، لكنه ترك وراءه إرثًا علميًّا وفكريًّا وسياسيًّا لا يزال حيًّا، يتردد صداه في الجامعات، والمؤسسات الحقوقية، ومراكز الدراسات، وفي الإعلام والمجتمع المدني.
خلال هذه السطور، نسعى إلى استعراض مسيرته منذ النشأة والبدايات، مرورًا بمناصبه القيادية ودوره في صياغة وثيقة حقوق الإنسان، وصولًا إلى فكره السياسي والحقوقي، ونشاطه بعد 2011، ثم الأثر الذي بقي ممتدًا حتى اليوم. كما نحاول ربط هذه المسيرة بما تركه من حضور إعلامي وفكري عبر صحيفة “الموقف الليبي”، ليظهر أثره على الرأي العام الليبي والمشهد الفكري والثقافي، مع إبراز فلسفته في الكتابة والتحليل السياسي والاجتماعي، وإنسانيته التي لطالما ميزت شخصيته.
جذور تشكّلت في الجنوب الليبي
ولد الدكتور إبراهيم أبو خزام عام 1952 في بلدة القُرْدة بمنطقة “الشاطئ” إحدى مناطق الجنوب الليبي المعروفة بطابعها الاجتماعي المحافظ وارتباطها العميق بالتقاليد. تعلّم المرحلة الابتدائية والإعدادية في بلدته، ثم انتقل إلى مدينة سبها لاستكمال دراسته الثانوية. هذا الانتقال شكّل بالنسبة إليه بداية انفتاح على بيئات مختلفة داخل ليبيا، إذ اطلع على قضايا المجتمع من زوايا متعددة، وتعرف على تنوّع المناطق والثقافات داخل الوطن.
مع نهاية سبعينيات القرن الماضي، التحق بجامعة قاريونس في بنغازي لدراسة القانون. وجد في هذا المجال مساحة واسعة للتفكير والتحليل، وصياغة رؤى حول الدولة والمجتمع. حصل على شهادة في القانون العام، ثم تخصص في القانون الدستوري، فبدأ رحلة أكاديمية امتدت لأكثر من أربعة عقود. هذه النشأة في الجنوب، مع بيئة اجتماعية محافظة، كانت قاعدة صلبة شكلّت وعيه الاجتماعي، بينما فتحت الجامعات الليبية أمامه أفقًا أوسع للتفكير النقدي والانفتاح على أفكار معاصرة، ما ساعده على بناء رؤية قانونية وسياسية متوازنة.
أستاذ وقائد ومساهِم في بناء الوعي القانوني
منذ بداية مشواره الأكاديمي عرف أبو خزام بجدّيته في البحث، بدقّته، وقدرته على إيصال القضايا القانونية والدستورية بلغة مبسطة وواضحة. عمل أستاذًا للقانون العام والدستوري في جامعة طرابلس، ثم في أكاديمية الدراسات العليا وأكاديمية الدراسات الأمنية. ترك أثرًا كبيرًا في تطوير مناهج تدريس القانون الدستوري، مع التركيز على مقاربات معاصرة تُراعي متغيرات العصر وحاجات المجتمع الليبي نحو الدولة المدنية الحديثة.
في عام 2004، تولَّى رئاسة جامعة ناصر الأممية، وهي الفترة التي شهدت توسعًا في نشاط الجامعة الأكاديمي والبحثي، وتعزيز العلاقات مع جامعات عربية ودولية؛ كما شغل منصب عميد المعهد الدبلوماسي بوزارة الخارجية بين عامي 2008 و2011. في تلك المناصب جمع بين التعليم الأكاديمي والإدارة الفكرية، فصنع بيئة علمية ساعدت العديد من الباحثين والطلبة على التخصص في القانون الدولي والدستوري، وفتح أمامهم أبواب الفكر الاستراتيجي.
من خلال هذا الدور، أسهم -بشكل ملموس- في بناء نخبة قانونية ودستورية جديدة، تأثّرت بأفكاره ومنهجياته: وعي بالقانون، احترام للدستور، إدراك لأهمية الحقوق والواجبات، وفهم لدور الدولة في حماية المواطن وتأمين العدالة.
حضور وطني ونشاط فاعل في مؤسسات الدولة
لم يكن الدكتور أبو خزام أستاذًا منعزلًا عن محيطه، بل كان جزءًا من صناعة القرار في ليبيا. شغّل سلسلة من المناصب المهمة، بينها: الأمين المساعد لـمؤتمر الشعب العام (1986 – 1990)، ثم وزير التعليم العالي بين عامي 1990 و1992، وسفير ليبيا لدى العراق (1995 – 2003)، ورئيس جامعة ناصر الأممية، وعميد المعهد الدبلوماسي.
خلال فترة عمله في التعليم العالي، قدّم خططًا لتطوير الجامعات الليبية، وتنظيم البحث العلمي، وإعادة هيكلة المناهج لتتلاءم مع مستجدات العصر. أما أثناء توليه سفارة ليبيا في العراق، فقد عاش مرحلة حساسة في تاريخ المنطقة العربية، من الحروب والصراعات إلى التحولات السياسية، ما منحَه رؤية أوسع للعلاقات الدولية، وتوازن القوى، وعمقًا في الفهم الاستراتيجي — وهو ما انعكس لاحقًا على تحليلاته ومواقفه.
هذه المناصب أكسبته خبرة عميقة في السياسة والإدارة والممارسة الدبلوماسية، فصار رجل دولة بمعنى الكلمة، قادرًا على المزج بين النظرية والممارسة، بين القانون والدبلوماسية، بين الفكر والتنفيذ.
دوره في صياغة وثيقة حقوق الإنسان عام 1988
تُعد سنة 1988 محطة بارزة في مسيرته المهنية؛ فقد شهدت إعداد وثيقة كبرى لحقوق الإنسان في ليبيا، وكان أبو خزام من بين أعضاء اللجنة القانونية التي شاركت في صياغتها، إلى جانب عدد من كبار القانونيين والمثقفين وعلماء الاجتماع الليبيين، من بينهم: رجب أبو دبوس، وأحمد إبراهيم، ومصطفى الزائدي، وسعد حفيانة، ومحمد المجدوب. وخلال شهري أبريل ومايو من ذلك العام، جرت مناقشات شعبية ومراجعات دستورية موسّعة.
وفي 12 يونيو 1988 صدرت بقاعة الحرية بمدينة البيضاء، الوثيقة، محتضِنة مبادئ حماية الحقوق الأساسية، ومنع التعذيب، وتحديد طبيعة الجرائم والسلطات، وضمان الحد الأدنى من الحريات. وكان هذا المشروع القانوني ثمرة رؤية تجمع بين الحقوق والواجبات، مع تركيز واضح على حماية المواطن وتعزيز العدالة. وقد مثّل إرثًا مهمًّا ظلَّ لسنوات مرجعًا قانونيًّا رئيسيًّا لحقوق الإنسان في ليبيا.
ومن هذا المنطلق كان أبو خزام يؤكد دائمًا أن بناء الدولة لا يكون إلا على أساس قانوني صلب، وأن الحقوق مكتسبة لا هبة مؤقتة، وأن المواطن لا يمكن أن يضمن كرامته إلا داخل إطار دستوري واضح يحميه ويضمن له حريته.
الفكر القانوني والسياسي: مؤلفات متعددة ورسالة فكرية
تميّز أبو خزام بفكرٍ عميق واستراتيجي، ظهر جليًا في مؤلفاته الغزيرة والمتنوعة. تناول فيها موضوعات مثل القانون الدستوري، العلاقات الدولية، توازن القوى، نهضة الدول وأزماتها، الديمقراطية، السلطة والقانون.
من أبرز مؤلفاته:
العوامل المحركة للتاريخ (1986)
العرب وتوازن القوى (1995)
الحروب وتوازن القوى
الديمقراطية الغربية والعالم الثالث (2002)
أقواس الهيمنة (2005)
أزمات الدول (2015)
الصراع على سيادة العالم: القوى العظمى في القرن 21 (2016)
المحافظون الجدد (2017)
فراغ مشروع في الدستور الليبي (2020)
شروط الديمقراطية (2022)
أعمال أخرى في القانون الدستوري: الوجيز في القانون الدستوري؛ الوسيط في القانون الدستوري؛ شرح الدستور الليبي؛ الدساتير والظاهرة القانونية.
فضلًا عن دراسات حول النهضة، تراكم الأوطان، نهاية التاريخ، ديمقراطية الكوارث، ثورة الشباب، وغيرها. تميزت كتاباته بالعمق، وبالمزج بين التحليل القانوني والديني والفلسفي، بين القانون والسياسة، وبين التاريخ والمستقبل.
من مقولاته الشهيرة: «قضية الحرية هي الإنجاز الجوهري» وهو ما يعكس نهجه: أن بناء الدولة لا يكون شعارات، بل ممارسات واقعية، وأن الديمقراطية ليست فكرة تُرفع فقط، بل مشروعًا يُطبّق، ووعيًا يُبنَى.
ضمير قانوني في مرحلة اضطراب
عندما اندلعت أحداث 2011، اختار أبو خزام موقعًا واضحًا: موقع التحليل القانوني والحقوقي. عمل ضمن لجان لحقوق الإنسان، وحرص على تفنيد الروايات التي أسست للتدخل العسكري الخارجي، مع التركيز على قراءة قانونية دقيقة للأحداث.
صدر قرار بتعيينه مندوبًا لليبيا لدى الأمم المتحدة، إلا أن السلطات الأمريكية رفضت منحه التأشيرة، وبقي القرار معطلًا، ما شكّل منعطفًا في حياته، ودفعه لاحقًا إلى مغادرة البلاد. هذه المحنة لم تكن نهاية المسيرة، بل بداية جديدة لمسار مناضل فكري وسياسي في المنفى.
بعد سقوط النظام، غادر إلى القاهرة، وهناك واصل نشاطه الفكري والسياسي بحرّية أكبر. بين 2015 والسنوات الأخيرة من حياته، شارك في تنظيم حوارات وطنية جمعت أكاديميين، وسياسيين، وحقوقيين، وشبابًا. هذا النشاط كان يهدف إلى وضع رؤية وطنية مشتركة لإعادة بناء الدولة، والبحث عن مخارج للأزمة السياسية، وتعزيز مفهوم الدولة المدنية، وحماية فكرة الدستور وحقوق الإنسان ودعم مسارات المصالحة الوطنية.
كما كان ضيفًا دائمًا في برامج إعلامية تتناول الدستور، والانتخابات، والشرعية الدولية، ومستقبل ليبيا. أهّله هذا الحضور إلى فضاء عربي، ومكّنه من التأثير في الرأي العام الليبي من الخارج، ومواصلة دوره كصوت للقانون والعدالة والحرية.
حضور إعلامي وصحفي
لم يقتصر أبو خزام على الأكاديمية والدبلوماسية والسياسة؛ بل كان كاتبًا وصحفيًا وناقدًا عبر «الموقف الليبي». تميّزت مقالاته بالعمق والتحليل المنطقي وبالبعد الوطني ورفض التسطيح والشعبوية، وبالقدرة على تقديم حلول وعرض الواقع برؤية استراتيجية.
من بين مقالاته التي تركت أثرًا في الوعي العام:
“الشقيقات الثلاث: الحضارة، الفلسفة، والديمقراطية”، “ملاعب وأقدام”، “سياسة التشويح”، “مناطق الصراع ومناطق التنافس”، “رجل الدولة ورجل السياسة”، “فيروس لا يغير التاريخ”.
هذه المقالات — وغيرها — شكّلت مرجعًا فكريًّا لمناقشة القضايا الأساسية: الهوية، المواطنة، الدولة، الشرعية، الحقوق، الدستور. وبفضلها تحرك النقاش الليبي بعيدًا عن الانفعال العاطفي والشحن الإعلامي، نحو تحليل هادئ، ونقد موضوعي، ورؤية مستقبلية.
النخب المسؤولة علميًّا وأخلاقيًّا هي حامية الدولة لا مروّجًا للشعبوية.
