ليبيا بين العجز والفُرص.. هل يكون التنويع الاقتصادي هو الحل؟

بقلم/ عثمان بونس
تعاني ليبيا اليوم وضعًا ماليًّا معقدًا تُثقله أزمات متراكمة، تبدأ من العجز المزمن في تمويل الميزانية وتمرُّ بأزمة السيولة التي أنهكت المواطنين، ولا تنتهي عند التراجع المستمر لقيمة الدينار أمام العملات الأجنبية. ورغم أن الأسباب السياسية والأمنية كانت دائمًا في الواجهة، فإن العامل الأخطر يكمن في الفوضى وسوء إدارة إيرادات النفط، إضافة إلى النهب الممنهج وفساد عدد كبير من المؤسسات العامة، ما أفقد الدولة القدرة على توجيه مواردها نحو التنمية. غير أن هذه الأزمة، على عمقها، تكشف جانبًا آخر لا يقل أهمية: وهو غياب الاستفادة من ثروات ليبيا الحقيقية التي بقي معظمها مهملًا لعقود، رغم أنها قادرة على تنويع الاقتصاد وتخفيف التوتر المالي وإعادة التوازن إلى العملة الوطنية.
فبينما يعتمد الاقتصاد الليبي على النفط بنسبة تفوق 90% من الإيرادات الحكومية، تمتلك البلاد إمكانات طبيعية وبشرية قادرة على مضاعفة الدخل القومي إذا ما طُوّرت بإستراتيجيات مدروسة. ويأتي في مقدمة هذه الإمكانات قطاع الثروة السمكية الذي يمثل أحد أهم الموارد غير المستغلة في البلاد. فالساحل الليبي الممتد على نحو 1770 كيلومترًا يُعد من أطول سواحل البحر المتوسط، وتؤكد تقارير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) أن المخزون البحري الليبي قادر، في حال تطوير تقنيات الصيد وتحديث الأساطيل وتشييد مزارع بحرية، على رفع الإنتاج من 30 أو 40 ألف طن سنويًا إلى ما يزيد على 180 ألف طن، وهو رقم كفيل بتحقيق إيرادات كبيرة، خاصة أن الاتحاد الأوروبي، الأقرب جغرافيًّا لليبيا، يستحوذ وحده على 34% من واردات الأسماك العالمية.
ويمتد هذا الإهمال إلى قطاع السياحة، الذي بقي خارج حسابات الدولة رغم امتلاك ليبيا إرثًا تاريخيًّا يُعد من الأغنى في المنطقة. فبين مدن لبدة الكبرى وصبراتة المدرجتين على قائمة التراث العالمي لليونسكو، وآثار الإغريق والرومان في شحات، والمعالم الإسلامية الممتدة من طرابلس إلى غدامس، إضافة إلى السواحل الطويلة والصحراء الواسعة التي تجذب محبي المغامرات، يتجلى حجم الفرص الضائعة. ورغم ذلك، لا تساهم السياحة اليوم إلا بنسبة تتراوح بين 1 و2% من الناتج المحلي، في وقت تصل النسبة في دول متوسطية مشابهة إلى أكثر من 10%. ويؤكد تقرير منظمة السياحة العالمية أن الطلب العالمي على السياحة الثقافية والبيئية والصحراوية شهد نموًّا تجاوز 12% سنويًّا قبل عام 2020، وهي قطاعات تمتلك ليبيا فيها مزايا تنافسية طبيعية.
وإذا ابتعدنا عن السواحل واتجهنا جنوبًا، تظهر ثروات التعدين كأحد أبرز الموارد القادرة على قلب المعادلة المالية في البلاد. وتشير هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) إلى وجود مؤشرات واعدة لاحتياطيات من خام الحديد والذهب والمنغنيز واليورانيوم والمعادن النادرة في امتداد جبال تيبستي والعوينات. ورغم عدم تحديث الخرائط الجيولوجية منذ عقود، فإن ارتفاع الطلب العالمي على المعادن الإستراتيجية المستخدمة في الصناعات التكنولوجية والطاقة المتجددة بنسبة وصلت إلى 300% خلال السنوات العشر الماضية، وفق البنك الدولي، يجعل تطوير هذا القطاع خيارًا اقتصاديًّا حتميًّا.
ولا يقل قطاع البتروكيماويات أهمية عن التعدين، بل يمثل فرصة ذهبية لرفع القيمة المضافة للنفط الليبي بدلًا من الاكتفاء بتصديره خامًا. وتوضح تقارير الإسكوا أن الدول التي تستثمر في الصناعات التحويلية للنفط تحقق عوائد تزيد بثلاث إلى خمس مرات مقارنة بصادرات الخام. ومع وجود بنية تحتية قابلة للتحديث، وموانئ قريبة من الحقول، مثل السدرة والبريقة ورأس لانوف، تبدو ليبيا مؤهلة للدخول في سوق عالمي للبتروكيماويات تتجاوز قيمته 500 مليار دولار سنويًّا، عبر صناعات مثل الميثانول والإيثلين والبولي بروبلين والبوليمرات والأسمدة.
ويتضح المشهد أكثر عند التوقف أمام تجارة العبور، وهي من القطاعات التي تملك ليبيا فيها موقعًا استراتيجيًّا استثنائيًّا يجعلها قادرة على أن تكون بوابة إفريقيا إلى أوروبا. فوجود موانئ كبيرة على المتوسط، وحدود جنوبية مفتوحة على النيجر وتشاد والسودان، يمنح البلاد موقعًا محوريًّا في حركة التجارة العالمية التي تجاوزت قيمة العبور فيها 7 تريليونات دولار في عام 2023 حسب منظمة التجارة العالمية. وتمكنت دول مثل المغرب من رفع مساهمة هذا القطاع إلى أكثر من 15% من الناتج المحلي بعد تطوير موانئ حديثة مثل طنجة على البحر الأبيض المتوسط. ويمكن لليبيا محاكاة التجربة عبر إنشاء طريق ربط صحراوي حديث بين موانئ الشمال وعمق إفريقيا، وهو ماتعمل عليه القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية خلال هذه الفترة وتطوير مناطق حرة ومراكز لوجستية بإدارة جمركية عالية الكفاءة.
إن الأزمة المالية الخانقة التي تشهدها ليبيا ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة مباشرة لغياب إدارة رشيدة للموارد المتاحة، وإهمال موارد طبيعية واقتصادية يمكن أن تكون صمام أمان للمالية العامة واستقرار العملة. فتنويع الاقتصاد لم يعد مجرد خيار اقتصادي، بل ضرورة وطنية لإنقاذ الدخل القومي من تقلبات النفط وبناء اقتصاد متماسك يعتمد على ما تختزنه البلاد من إمكانات ضخمة تنتظر فقط من يحسن استثمارها.
