الغرب يتخلص من إرث الإخوان بعد عقود من العمالة

تقرير – سيد العبيدي
بعد عقود من استخدام تنظيم جماعة الإخوان كأداة سياسية من قبل الغرب للسيطرة على الشرق الأوسط، وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الاثنين، أمرًا تنفيذيًّا يقضي ببدء دراسة إدراج فروع من الجماعة على قوائم “المنظمات الإرهابية الأجنبية”، ما قد يفتح الباب أمام فرض عقوبات شاملة على واحدة من أقدم وأوسع الحركات الإسلامية انتشارًا في الشرق الأوسط.
جاء القرار الأمريكي للتخلُّص من إرث الجماعة الثقيل بعد أن استنفدت دورها في تنفيذ أجزاء واسعة من الأجندة الغربية الهادفة إلى زعزعة استقرار المنطقة. وعلى مدى عقود، أحسن الغرب توظيف الجماعة سياسيًّا لخدمة مصالحه، قبل أن يبدأ اليوم خطوات عملية للتنصُّل من هذا الإرث الذي يعود إلى أربعينيات القرن الماضي.
وفي سياق آخر، يرى مراقبون أن الغرب يسعى من خلال هذه الخطوة إلى إعادة استغلال حركات الإسلام السياسي بمفهوم جديد ظاهره التحالف بينما باطنه ضرب ما تبقى من وحدة الدول العربية وتقسيمها على غرار ليبيا وسوريا واليمن والسودان، بدءًا من سوريا التي جرى استبدال نظامها الوطني بنظام جديد يحافظ على أمن الكيان الصهيوني بعد ما كان بالأمس يصنف إرهابيًّا لتتضح العلاقة المتينة بين الغرب والصهاينة بالجماعات الإرهابية المتطرفة التي خرجت جميعها من عباءة الإخوان المسلمين.
الإخوان: من النشأة الدعوية إلى ورقة النفوذ الدولي
منذ تأسيس حسن البنا جماعة الإخوان المسلمين عام 1928، لم تستغرق الحركة وقتًا طويلًا قبل أن تتحول من إطار دعوي اجتماعي إلى مشروع سياسي يستهدف السلطة والهيمنة على المجال العام تحت شعار “الإسلام هو الحل”.
ومع نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات، كانت الجماعة قد أصبحت لاعبًا رئيسيًّا في الساحة المصرية، متوغلة في النقابات والجامعات والشارع، ومتماسكة تنظيميًّا عبر جهاز سري مسلح.
ومع صعود الرئيس جمال عبدالناصر إلى الحكم بعد ثورة يوليو 1952، بدأ أول فصول المواجهة بين المشروع القومي العربي الذي رفعه الضباط الأحرار، وبين مشروع الإسلام السياسي الذي مثَّله الإخوان. هذه المواجهة كشفت منذ بداياتها طبيعة الدور الذي كانت الجماعة مستعدة للعبه في خطاب المنطقة وصراعاتها، وكيف وجدت القوى الغربية فيها أداة مناسبة لاختراق الداخل العربي وتفتيت طموحات التحرر والاستقلال الوطني.
الإخوان وضرب المشروع القومي في عهد عبدالناصر
لم يكن الصدام بين عبدالناصر والإخوان مجرد خلاف سياسي داخلي، بل كان جزءًا من معركة كبرى حول هوية العالم العربي ومستقبله. عبدالناصر تبنَّى مشروعًا قوميًّا وحدويًّا يستهدف التحرر من الاستعمار وبناء دولة وطنية حديثة تقوم على العدالة الاجتماعية والاستقلال الاقتصادي.
في المقابل، كانت الجماعة ترى هذا التوجه تهديدًا لهيمنتها الفكرية ومشروعها السياسي العابر للحدود.
وبعد محاولة اغتيال عبدالناصر في المنشية عام 1954، دخل الخلاف مرحلة اللاعودة، لتبدأ واحدة من أكثر الحملات حسمًا في تاريخ الدولة المصرية ضد مشروع الإسلام السياسي. لكن بينما كان عبدالناصر يخوض معركته الداخلية، كانت أجهزة استخبارات غربية، وعلى رأسها المخابرات البريطانية والأمريكية، ترى في الإخوان فرصة لضرب المد القومي العربي الذي اتسعت دائرته من القاهرة إلى ليبيا ودمشق وبغداد والجزائر.
وبينما كانت واشنطن ولندن تتوجسان من اقتراب عبدالناصر من الاتحاد السوفيتي، بدأت الاتصالات السرية مع بعض عناصر الإخوان، بهدف دعم أي قوة قادرة على إضعاف القيادة القومية المصرية، أو على الأقل خلق صدع داخلي يمكن استثماره سياسيًّا. وعندما كانت مصر تقود حركة عدم الانحياز وتؤمم قناة السويس وتتوسع في برامج التنمية، كانت الجماعة تقدم نفسها للغرب كتيار “ديني معتدل” قادر على الوقوف في وجه “الراديكالية القومية”.
هذه الديناميكية جعلت الإخوان عبر سنوات حكم عبدالناصر أداة أساسية ضمن استراتيجية الحرب الباردة بالوكالة، حيث استُخدمت الجماعة كقوة معارضة “أيديولوجية” تسعى إلى تفريغ المشروع القومي من الداخل، سواء عبر التحريض، أو الخطاب، أو التنظيمات السرية التي جرى دعم بعضها من الخارج بشكل مباشر وغير مباشر.
الإخوان والسادات: التحالف الذي عاد فمزّق الدولة
وبعد وصول أنور السادات إلى الحكم عام 1970، بدا المشهد أكثر تعقيدًا. السادات، الذي كان يسعى إلى تحرير المجال السياسي من سطوة التيار القومي الناصري، قرر أن يفتح الباب أمام الإخوان والعناصر الإسلامية، ليوازن بهم قوة اليسار والناصريين داخل الجامعات والمؤسسات.
وقد سجّل التاريخ أن السادات سمح للجماعة بالعودة التدريجية إلى الحياة العامة، وأطلق سراح عدد من قياداتها، وسمح لهم بالعمل داخل الجامعات عبر “الجماعات الإسلامية”، التي تحوَّلت لاحقًا إلى قوة اجتماعية ضخمة استفادت من الغطاء السياسي الذي وفره لهم الرئيس.
لكن هذا التحالف لم يكن بريئًا أو خاليًا من الحسابات الدولية. فقد رأت واشنطن ولندن في سياسة السادات فرصة لإعادة توظيف الإسلام السياسي، خصوصًا بعد التوتر الذي أثاره توجه مصر نحو الانفتاح على الولايات المتحدة، وابتعادها النسبي عن الاتحاد السوفيتي. وبدلًا من مواجهة النظام القومي من الخارج كما كان الحال في عهد عبدالناصر، جرى استخدام الإسلام السياسي هذه المرة من الداخل لإعادة تشكيل منظومة الدولة المصرية بما يخدم المصالح الغربية، ويحد من استقلال قرارها السياسي.
من التحالف إلى الاغتيال
ومع نهاية السبعينيات، تضخمت التيارات الإسلامية المسلحة التي انشطرت عن الإخوان، وصولًا إلى تنظيم “الجماعة الإسلامية” و”الجهاد”، اللذين قاما باغتيال السادات عام 1981. هنا أدركت الدولة المصرية، وإن متأخرًا، أن التحالف مع الإخوان كان مجرد فخ سياسي أضعف بنية الدولة وسمح بتسلل الفكر المتشدد إلى العمق المجتمعي.
الإخوان والغرب: علاقة الاستخدام المتبادل
على امتداد الثمانينيات والتسعينيات، ظل الإخوان يعملون بشكل منظم على اختراق المجتمعات العربية عبر بوابة العمل الخيري، واستثماره لخلق قاعدة اجتماعية وسياسية واسعة. وكان الغرب، خصوصًا الولايات المتحدة، ينظر إلى الجماعة باعتبارها “الإسلام المعتدل” الذي يمكن أن يشكل حاجزًا بين المجتمعات العربية وبين التيارات الجهادية المتفجرة مثل القاعدة.
لكن الحقيقة، وفق تقارير أجهزة استخبارات غربية نفسها، أن الإخوان كانوا الحاضنة الفكرية الرئيسية التي خرجت من رحمها هذه الحركات. أبو الأعلى المودودي، سيد قطب، والتنظيرات التي أسست لفكرة الحاكمية وتكفير الأنظمة، كلها جاءت من صلب مدرسة الإخوان، حتى لو حاولت الجماعة لاحقًا التبرؤ من العنف.
ومع ذلك، تمسكت المؤسسات الغربية بالجماعة كقوة يمكن استخدامها ضد الأنظمة القومية، أو لدعم مشاريع سياسية قائمة على تفتيت العالم العربي إلى دويلات مذهبية وطائفية، تخدم مصالح القوى الكبرى في المنطقة.
الإخوان والربيع العربي: الفرصة الذهبية
ومع اندلاع ثورات الربيع العربي عام 2011، وجدت الجماعة نفسها أمام أكبر فرصة في تاريخها للوصول إلى السلطة. فقد استطاعت، عبر تنظيمها الحديدي، أن تحصد نتائج لم تستطع القوى المدنية المجزأة تحقيقها. ووجدت قوى غربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، أن صعود الإخوان قد يكون مدخلًا لإعادة رسم خريطة الحكم في الشرق الأوسط على أساس “إسلام سياسي معتدل” يمكن التفاهم معه، ومن خلاله السيطرة على المجتمعات العربية.
لكن الواقع كان صادمًا. فعوضًا عن تقديم نموذج حكم ديمقراطي شامل، انزلقت الجماعة سريعًا نحو محاولات أخونة الدولة، والسيطرة على مفاصلها، وفرض رؤيتها الأيديولوجية على المجتمع. هذا التوجه أثار موجات غضب عاصفة، وأدى إلى سقوط حكمهم في مصر، ثم تراجع نفوذهم في تونس، وانهيار مشاريعهم في ليبيا وسوريا واليمن.
والأهم أن الجماعة كشفت خلال الربيع العربي عن الوجه الحقيقي لاستخدامها التاريخي: فهي كانت أداة للغرب حينًا، وورقة ضغط حينًا آخر، لكنها لم تكن قادرة على بناء دولة، أو الحفاظ على استقرار أي مجتمع وصلت إليه.
من سوريا إلى ليبيا: إعادة إنتاج البنية الإخوانية في ثوب جديد
وخلال الأزمة السورية، ظهرت مجموعات مسلحة قدمت نفسها كفصائل معارضة، لكنها كانت فكريًّا وتنظيميًّا امتدادًا للمدرسة الإخوانية. وعلى رأسها تنظيم “جبهة النصرة” بقيادة أحمد الشرع “أبو محمد الجولاني”، الذي حظي بدعم سياسي وإعلامي غربي واضح رغم جذوره المتطرفة.
وفي ليبيا، برزت “الجماعة الليبية المقاتلة” كأحد أهم التنظيمات التي حملت الفكر الإخواني شكلًا ومضمونًا، واستثمرت الفوضى لتحقيق مكاسب سياسية، مدعومة بغطاء إقليمي ودولي. هذه التنظيمات كانت، في نظر العديد من مراكز الدراسات الغربية ذاتها، أدوات استخدمتها واشنطن ولندن لتفتيت الدول العربية وإعادة رسم خريطة النفوذ، لكن بعد عقد كامل من الفوضى، اتضح أن هذه الورقة قد احترقت، وأن الجماعات التي خرجت من رحم الإخوان تحولت إلى عبء أمني يهدد مصالح الغرب ذاته.
لماذا يريد الغرب التخلص من الإخوان الآن؟
القرار الأمريكي بدراسة تصنيف فروع من الإخوان كمنظمات إرهابية هو، في جوهره، محاولة متأخرة لإغلاق ملف أداة استخدمها الغرب لعقود، ثم خرجت عن السيطرة. ويمكن تحديد عدة أسباب لهذا التحول: ” تزايد القناعة بأن الجماعة كانت الحاضنة الفكرية للتنظيمات المتطرفة، وأن الفصل بين “الإخواني” و”الجهادي” مجرد وهم سياسي، التجارب الفاشلة لحكم الإخوان خلال الربيع العربي، التي كشفت عدم قدرة التنظيم على تقديم نموذج حكم مستقر أو قابل للحياة، تصاعد نفوذ القوى الإقليمية المناهضة للإخوان، وعلى رأسها مصر والسعودية والإمارات، ما جعل استمرار دعم الجماعة مكلفًا سياسيًّا، التهديد المباشر للمصالح الغربية، بعد أن ظهرت شخصيات وتنظيمات مرتبطة بالإخوان في ملفات تمويل الإرهاب، والتحريض، والعمل ضد استقرار دول الشرق الأوسط، التغيرات في السياسة الداخلية الأمريكية، وصعود تيارات يمينية تعتبر الإسلام السياسي – بجميع أشكاله – تهديدًا للأمن القومي”.
إرث الإخوان: ورقة انتهت صلاحيتها
اليوم، يبدو واضحًا أن الغرب يحاول التخلص من إرث جماعة استخدمها لعقود لضرب المشروع القومي العربي، وإضعاف الدولة الوطنية، وخلق حالة من الصراع الداخلي المستمر. لكن حينما أصبحت الجماعة ذاتها جزءًا من المشكلة، لا من الحل، بدأ التفكير الجدي في التخلص من هذا الإرث، ولو عبر قرارات متأخرة مثل قرار ترامب.
ومع ذلك، فإن إدراج بعض فروع الجماعة على قوائم الإرهاب سيظل خطوة رمزية ما لم تتبعها خطوات أوسع لتجفيف منابع الفكر الإخواني، ومواجهة شبكاته المالية، ومنعه من إعادة التغلغل في المجتمعات العربية تحت أسماء جديدة أو واجهات سياسية بديلة.
