مقالات الرأي

من يبتكر ويصنع الوعي؟

بقلم/ سعاد علي الجروشي

الوعي عملية متداخلة بين الفكر والمعرفة والتجربة والتوجيه. فالإنسان لا يولد واعيًا بذاته أو محيطه، بل يُنحت وعيه تدريجيًا من خلال ما يُعرض عليه من أفكار ومفاهيم، وما يمرّ به من تجارب.

كيف يتشكّل الوعي؟ يبدأ الوعي عادةً من البيئة القريبة، ثم يتسع ليشمل المجتمع والثقافة والإعلام. فالإعلام يمتلك تأثيرًا قويًّا في صناعة الوعي؛ إذ إن ما يُعرض على الشاشات يعيد توجيه البوصلة الأخلاقية والاجتماعية، ويؤثر في طريقة تفكير الناس وتفاعلهم مع الأحداث. كما أن التعليم يشكّل بُعدًا أساسيًّا من أبعاد الوعي، ولا يجب أن يفقد رسالته النقدية أو يتحول إلى مجرد عملية لنقل المعرفة؛ لأن ذلك يجرِّد العقول من القدرة على التفكير المستقل.

وتأتي الثقافة بدورها لتمنح الإنسان وعيًا بهويته وذاته. لذلك لا يجوز ترك السطحية تتقدَّم، أو تهميش المثقفين والمبدعين الحقيقيين؛ لأن تشويه الوعي الثقافي يعني تشويه وعي المجتمع بأكمله. ومن ناحية أخرى، تسعى بعض السلطات إلى صناعة وعي يناسب أجنداتها، لإبقاء الشعوب في دائرة الطاعة أو التبعية. وحين يتخلى الأفراد عن ممارسة النقد، يصبح الوعي المُنتج لهم وعيًا مصنّعًا أو مزيّفًا.

إن ابتكار الوعي الحقيقي يعني مقاومة التلقين والتكرار والخوف. فالوعي لا يعني امتلاك المعلومة فقط، بل القدرة على تحليلها ومساءلتها والتفكير فيها بحرية. ولهذا يصبح صُناع الوعي الحقيقيون هم المفكرين والفنانين والمعلمين الأحرار والكتّاب الذين لا يتراجعون عن قول الحقيقة.

دور الكتّاب والفلاسفة في صناعة الوعي: الفيلسوف هو من يطرح الأسئلة التي تربك الراكد وتوقظ الغافل. إنه يضيء المساحات المعتمة في العقل الجمعي، ويجعل الآخرين يرون ما اعتادوا عليه بعين مختلفة. أما الكاتب، فله قدرة على تشكيل الوعي عبر القصة والمقال والقصيدة والموقف؛ إذ تهزّ كتاباته القناعات القائمة أو تبني رؤى جديدة.

ولأن الكلمة الصادقة تُقلق من لا يريد مجتمعًا واعيًا، فقد تعرّض كثير من الكتّاب والفلاسفة عبر التاريخ للإقصاء أو النفي أو السجن. ومع ذلك، فإن أثرهم لا يُمحى، وما يكتبه الأحرار يعيش أطول من أي نظام، ويتجاوز جدران الرقابة.

إن الوعي معركة يومية يخوضها العقل ضد الجهل، والإنسان ضد القوالب الجاهزة، والمجتمع ضد التزييف. ولذلك، يجب أن نبتكر الوعي ونصنعه بأن ننتقل من موقع المتلقي إلى موقع المبادر، وأن نتجرأ على طرح الأسئلة ومراجعة المسلّمات.

ففي كل فكرة نؤمن بها، وفي كل موقف نتبناه، نحن إما نعيد إنتاج وعيٍ قائم، أو نشارك في ولادة وعيٍ جديد أكثر عدلًا وصدقًا.

زر الذهاب إلى الأعلى