متتاليات القتل النسوي

بقلم/ عفاف الفرجاني
منذ أن صدر كتابي (ماتت رهف.. ماذا عنكم)وأنا أعيش حالة من اليقظة المؤلمة التي لا تهدأ. ذلك الكتاب الذي تناول قصة فتاة قتلت بدم بارد أمام الناس على يد عنصر ميليشياوي كان بمثابة جرس إنذار مبكر، لكنه للأسف لم يمنع تكرار المأساة. فبعد مرور عام كامل على صدور الكتاب ما زالت جرائم قتل النساء في بلديتتوالى، ولا تزال الفوضى تحكم العلاقات، وما زال السلاح هو الذي يحدد مصائر النساء لا القانون. رهف كانت بداية حكاية طويلة لا تريد أن تنتهي، وكان دمها إشارة واضحة على انهيار منظومة الردع، لكن المجتمع لم يستوعب الرسالة.
واليوم نجد أنفسنا أمام جريمة جديدة أشد قسوة، وهي اغتيال خنساء المجاهد. فتاة شابة، أمٌّ لطفلة صغيرة، لا علاقة لها بالصراع السياسي ولا بالتحالفات المسلحة، لكنها دفعت حياتها ثمنا لصراع لا يخصها. خنساء لم تقتل على يد زوجها، بل قتلت بسببه، قدمت قربانًا لجبروت ميليشياويقاسم زوجهاالبندقية والدم ليفرقهم الطمع،فقرر الانتقام منه عبر جسد زوجته، وحرق قلبه بقتلها أمام العالم، وجعل طفلته يتيمة في لحظة واحدة. هذا النوع من الجرائم يكشف كيف تفكر الميليشيات: حين تريد الانتقام لا تواجه الرجال، بل تستهدف النساء والأطفال، وتضرب أضعف نقطة في حياة خصمها. هكذا تتحول المرأة إلى أداة ثأر، لا قيمة لحياتها ولا لأمومتها ولا لأحلامها.
خنساء لم تكن جزءا من المعركة، بل كانت تلك البرغماتية التي آمنت بأن الطموحلا يتحقق إلا بالاقتران بالسلطة والمال، كانت تحاول الهرب من حياة تحكمها القوة، لكنها لم تستطع أن تتجاوز حدود عالم يعادي المرأة ويستخدمها وسيلة ضغط.قتلها كان رسالة واضحة من ميليشيا إلى أخرى، ورسالة أكثر وضوحا إلى كل المجتمع، مفادها أن حياة النساء في هذا الواقع لا وزن لها، وأن الدولة غائبة تماما عن حماية مواطنيها. ما حدث لها لا يختلف كثيرا عما حدث لرهف، لكنه أشد جرأة وأكثر عنفًا لأن القتلة لم يعودوا يخفون جريمتهم، بل ينفذونها وهم يعلمون أن لا رادع ولا محاسبة.
هذه الممارسات ليست مجرد نتاج للعنف الداخلي، بل نتيجة مباشرة لصمت المجتمع الدولي. العالم يراقب ليبيا بصمت بارد، وكأن ما يحدث فيها جزء من فيلم لا يعنيه. المنظمات الإنسانية تسجل الأرقام وتكتب التقارير، لكنها لا تفعل شيئًا. مجلس الأمن يرى كيف تموت النساء في الشوارع ولا يصدر سوى بيانات محايدة لا تؤثر في شيء. الأمم المتحدة تعقد الاجتماعات وتكرر العبارات ذاتها دون أي خطوة عملية. كل العالم يرى ليبيا تتفكك، ولكنه يريدها بهذا الشكل، ضعيفة ومقسمة وسهلة التحكم. يبدو أن النساء في ليبيا أصبحن ضحايا، ليس فقط للعنف الداخلي، بل أيضا لسياسة دولية لا تريد أن تساعد البلاد على الوقوف.
هذه ليست مسألة قتل معزول، بل قضية وجودية تمس المجتمع كله. مجتمع يتخلى عن نسائه هو مجتمع يتخلى عن روحه وهويته ومستقبله. إذا استمرت هذه الجرائم دون محاسبة فسندخل مرحلة أخطر، حيث تصبح حياة المرأة مجرد تفصيل يمكن تجاوزه. سنعود إلى عصور كانت فيها المرأة تدفن مع أسئلتها وأحلامها، ولا يذكر اسمها إلا في سجل الموت.
مواجهة هذا الواقع تتطلب إرادة حقيقية. تتطلب مجتمعا يرفض أن تكون المرأة أداة ثأر، ودولة تستعيد مكانها، ومنظومة قانونية تردع القتلة. إما أن نعيد للمرأة مكانتها وأمنها وحقها في الحياة، وإما أن نخسر معها الوطن كله.
