المنافقون ولو صدقوا؟

بقلم/ عبد الله ميلاد المقري
هذه الأيام تشهد انحدارًا غير مسبوق في مستوى الوعي،والقفز على الحقائق السياسية التي يحاول البعض ممن يمكث الحقد في قلوبهمنتيجة هم أو لمن ينتسبونإلى أعراق قدمت إلى البلاد تحمل معول الهدم،فهذا البعض وهم القلة منهم من ينحرفعبثا ويولد على هامش الفوضى كشخوص فقدوا القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم، وبين النقد الوطني والادعاء المريض. هؤلاء الذين تحركهم نزعات الحقد وتغذّيهم بيئة التفاهة، يحاولون تبرير انخراطهم في المؤامرة على الوطن بالعودة إلى روايات شخصية مشوشة، يرفعونها كأوراق اعتماد واهية لإثبات براءة مصطنعة أو ادعاء مظلومية زائفة، من هؤلاء من يتباهى بأن والده “سُجن” في مرحلة ما قبل المؤامرة على ليبيا، وكأن هذا الادعاء يضفي عليه شرفًا أو يبرر خيانته اللاحقة.
الحقيقة التي يغفلها أو يتغافل عنها -وربما يدركها جيدًا- أن السجون الإصلاحيةفي تلك الفترة لم تكن غرفًا للاعتقال المزاجي، بل كانت خاضعة لقانون واضح، وأن من يُحاكم إنما يُحاكم وفق نصوص قانونية، لا وفق أهواء شخصية. فلو كان لوالده “حجة” أو مظلمة حقيقية، لكان القانون هو الفيصل، لا الخطابة الشعبوية ولا لعب دور الضحية.
إن التذرع بهذه الروايات الصغيرة ليس إلا محاولة للتغطية على العجز الداخلي، وعلى شعور دفين بالذنب ظهر الآن بعد أن شاهد هؤلاء حجم الخراب الذي ساهموا فيه أو صمتوا عنه. إنهم يعيشون اليوم حالة نفسية مهزوزة؛ يرون الفوضى، يرون الفساد، يرون العجب العجاب ممّا صنعت أيديهم، ثم لا يملكون سوى التعلق بأعذار تاريخية بائسة.
أما عن تلك الادعاءات حول “عدم اكتمال الأعمال” في فترة الدولة الليبية التي سبقت الانهيار، فهي قراءة سطحية لا تمت إلى الواقع بصلة. فالدولة -آنذاك- ورثت عقودًا من الجهل والتأخر، ومع ذلك انخرطت في أكبر عملية بناء شهدتها ليبيا في تاريخها: مشاريع اقتصادية عملاقة، مدارس، وجامعات، طرق ومواصلات، شبكات اتصالات، مستشفيات ومراكز صحية، بعثات تعليمية للخارج، استثمارات خارجية (يتم التلاعب بهاالآن) توفير مياه للشربوإنشاء سدود، كانت دولة تبني، لا دولة تهدم. وكانت تخطط، لا ترتجف. وكانت تزرع، لا تبيع الوطن في المزادات.
لكن من فقد بوصلته الوطنية لا يرى هذه الحقائق، لأنه ببساطة يعيش ازدواجية مقيتة: يهاجم الماضي ليغطي فشله في مواجهة حاضر مهترئ، حاضر صنعه بيده، ثم فرّ من تبعاته. ازدواجية تُشبه طيور الغربان التي تغيّر ريشها في أسوأ مواسم الجفاف، بينما الأرض حولها قاحلة، والسماء بلا مطر، والحقائق بلا تجميل.هذه الأصوات؛ أصوات تبحث عن قيمة بين ركام الفوضى، وتجد في بثّ الأكاذيب بديلًا عن مواجهة الذات. الردّ الحقيقي عليهم ليس في الانفعال، بل في كشف تناقضاتهم، وفضح هشاشة حججهم، وفي التذكير بأن الوطن لا يُقاس بحكايات فردية متخيلة، بل بما قدّمه من بناء، وما أنتجه من مؤسسات، وما مثّله من كرامة وسيادة.أما الكلام الرديء الخارج من فمٍ ردي، فلن يرقى يومًا إلى مستوى الحقيقة، ولن ينجح في تزوير الذاكرة مهما حاول أصحابها أن يكسوا أكاذيبهم بريشٍ مستعار.
