الألسنية العامة بين الفلسفة والمنطق المداخلة الأولى: في اللاهوت 18

بقلم/ مهدي امبيرش
هذه المداخلات التي نستمر في عرضها على الرغم من تنوعها، تهدف إلى الكشف عن عبقرية اللسان العربي البياني، وأن البيان هو هبة إلهية للإنسان بعامة وأنها آخر مراحل أطوار خلق الإنسان بعد أن نفخ الله فيه من روحه، إلا أن هذه الأطوار التي أكدنا مرارا أنها غير التطورية التي قال بها لامارك ودارون والتي وظفها سبنسر ضمن تنظيره للفردية الاستقلالية في مدرسة التفكير الأنجلو أمريكي، ومن ثم مثلما خلق الله الإنسان أطوارا من مادة فيزيائية محض هي التراب بما فيه من عناصر، ليتقدم الطور خطوة إلى الأعلى من خلال الماء أي الحياة التي هي سمة المخلوقات الحية بعامة، ثم يكون الطور الأخير الذي كرم الله به الإنسان عن بقية المخلوقات وهو طور الروح، ومن ثم القدرة على الكلام حيث الكلمة، وهذا ما ذكرناه في أكثر من موضع، ليست اللفظ الصوت أي تعبير آخر كالأصوات التي تصدر عن ظواهر الطبيعة كهدير الموج أو قصف الرعد أو خرير الماء أو حفيف الأوراق والأغصان،أو هذه التي قال عنها المعتزل الجاحظ إنها تعبير بالنُصبة، فالكلمة مشيئة وإرادة، ومن ثم فهي مسؤولية كذلك، على أننا ذكرنا أن الإنسان إذا فقد الروح قد يهبط إلى الدرك الذي قبله، وهو الدرك الحيواني،أو يهبط إلى الأدنى وهو الطور المادي المحض، وربما ردَّ أسفل سافلين، حيث قد يسقط الصخر الصلد من خشية الله أو يشقق فينبجس منه الماء.
إن أطروحتنا في تميز اللسان العربي باعتباره يكشف عن منهج التفكير الإنساني الذي لم يستعجل، إنما يحتاج إلى إضافةٍ للذي سبق أن ذكرناه في التأكيد على تمظهر هذه العبقرية البيانية، وذلك من خلال دراسات المقارنة لبعض المدارس الأعجمية، وهي المقارنة التي تتناول مناهج التفكير والألسن، ومن ثم وسائط التعبير عنها.
في المداخلة الفائتة تعرضنا لبعض الأفكار التي تكشف عن منهج التفكير الإغريقي بعامة، وبإشارة موجزة إلى المدرسة الأثينية من خلال الإشارة إلى المحاورات المعروفة بمحاورات أفلاطون التي وعدنا أننا سنتحدث عن محاورة (مينون) إضافة إلى بعض المحاورات الأخرى كعرض موسع لمحاورة كراتيلوس التي أشرنا إلى طرف منها تتعلق بنظرية أفلاطون في الأسماء، وأنه قسمها إلى قسمين: أسماء مقدسة أصلية وأخرى وضعية إضافةً إلى محاورة المائدة وفيداروسوفيدونوالسوفسطائي والجمهورية، وهي محاورات تتعرض بصورة مباشرة أو عرضًا إلى منهج التفكير الأفلاطوني والعلاقة بين الاسم والفعل ضمن ما سبق أن ذكرناه ونحن نتحدث عن اللاهوت، الذي قلنا إنه قد فرض منطق الثنائية (dualism).
وحسب منطق أفلاطون وأستاذه سقراط فإن السماء هي موطن مجلس الأرباب الذين كان زيوس أوثيوس هو رب الأرباب بعد أن استطاع أن يتخلص من أبيه كرونوس (الزمن) التي تقول الخرافة إنه يبتلع أولاده، لأنه أخبِر أنأحد أولاده سيقضي عليه كما قضى هو على أبيه أورانوس الذي في الخرافة الإغريقيّة هو الخارق الأول الذي كان ذكرًا، وأنه هو الذي أوجد (جيا) الأرض وهي أنثى، وقد تزوجها، وذكرنا أن اسمها لا يزال يستخدم اليوم في مصطلح جغرافية أو صورة الأرض، حيث سقى زيوس أباه عصارة نبات فاضطر كرونوس(الزمن) أن يتقيأ أولاده، ولا يزال اسم كرونوس يستخدم بنفس المفهوم في القاموس الأوروبي اليوم، حيث نجد مصطلح (chronology) الذي يفهم منه التزمين والذي سوف نعود إليه عند تناول النظرية التركيبية التي تترجم عندها على أنها البنياوية التي بحكم الوضعية المنطقية تنظر إلى التاريخ على أنه وقائع منفصلة، ومن ثَم وجدوا أنفسهم مضطرين إلى ابتداع مصطلحين هما (synchronic)ومصطلح (diachronic) اللذين سنقف عندهما عند تناول مايعرف اليوم بالبنيوية.
لقد سبق أن وعدنا متابعي هذه المداخلات بأننا سنبدأ القراءة في محاورة مينون إلا أن هذه المداخلة وضعتنا أمام الحاجة إلى قراءة خرافة القضاء على سلطان كرونوس؛ لأنها توضح لنا لإشكالية حول السؤال الفلسفي ما الزمان؟ وماذا التزمين؟ وهو سؤال واستفهام منطقي يرتبط مباشرة بثنائية السماء والأرض ومن ثم الاسم والفعل ومنهج تفكير سقراط وأفلاطون وموقف أفلاطون من الطبيعة والمادة بعامة، التي ذكرنا آنفاً أن الأرض عندهم أنثى، وأنها أدنى، وأن السماء ذكر وهو الأعلى، وهذه الفكرة ارتبطت عند سقراط وأفلاطون بدونية المادة، وأن النفوس كانت في السماء قبل أن تسقط إلى الأرض ويتم أسرها في الجسد (أمثولة الكهف عند أفلاطون)، ومن ثَم ستلعب فكرة دورها في طقس التطهير باختلاف وتنوع أطروحات التطهير حتى في الشرائع الإلهية.
إن القول بأن زيوس قد سقى أباه عصارةً نباتية أرغمته على التقيؤ سوف نجد هذه الرمزية للنبات يتكرر في الكثير من طقوس التطهير الصوفي، كما أن قطع كرونوس العضو الذكري لأبيه فيه رمزية التوقف عن الامتداد وهو يرتبط بفهم أفلاطون لفكرة الزمان وفي إنكاره للمادة والأرض ومن ثَم ارتباط المادة بالفعل والحركة والزمن والزمان، وهو الذي سيكشف عن نزعةٍ صوفيةٍ عدمية في التفكير الأفلاطوني التي أخذها عن الشمانية الهندية، والتي تكشف بوضوح عن موقفها من الجسد والحياة وإيقاف الكارما وعذابات التغير والصيرورة بالوصول إلى النرڤانا، أي التوقف الكامل عن الفعل والحركة، وهنا نذكركم ونحن نتحدث عن عبقرية اللسان العربي بأهمية التغير والصيرورة في انتقال الإنسان من الموجود إلى الكائن، حيث قلنا إن هذه الكينونة من خلال زمن الواحد من الصباح إلى المبيت لا تتم إلا بفعل صار، وهذه واحدة من عبقريات اللسان العربي، على أن فكرة الثنائية التي ذكرناها التي تسيطر على كل محاورات أفلاطون والتي ينسبها إلى أستاذه سقراط، حيث سقراط في كل هذه المحاورات الشخص الذي يختفي وراءه أفلاطون حيث ينسب أفلاطون كل المحاورات لديه ربما لتعطيه براحاً في طرح أفكاره مستنداً على شهرة أستاذه،أو لأن الوضع السياسي ما كان ليسمح له بطرح أفكاره مباشرةً بعد الحكم على سقراط بالإعدام وإجباره على شرب عصارة نبات الشوكران السامة، وقد تلعب هذه العصارة بطريقة غير مباشرة نفس الدور الذي تلعبه الهوماأوالسوما في الشطح الصوفي الهندي.
