ملفات وتقارير

المال الخارجي يتحول إلى لاعب رئيسي في رسم مستقبل الحوار الليبي.. ويشعل جدلًا حول نزاهة العملية السياسـية

تقرير من إعداد – منيرة محمد:

في خطوة أثارت موجة واسعة من الغضب والجدل، أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن توقيع اتفاقية تمويل مع دولة قطر لدعم خارطة الطريق السياسية في البلاد، في وقت ما زالت فيه ليبيا تغرق في الانقسامات السياسية والصراعات الإقليمية. الاتفاقية التي جاءت تحت شعار دعم الحوارات السياسية وبناء القدرات، لم تمر مرور الكرام، بل فتحت الباب أمام أسئلة حاسمة حول حياد الأمم المتحدة ومصداقيتها، ومدى احترامها للسيادة الليبية.
هذا التمويل الخارجي، الذي يُقدَّم من دولة لها تاريخ طويل في التدخل في الشأن الليبي، يثير مخاوف من تحوّل البعثة من وسيط محايد إلى لاعب مباشر في الصراع، ويعيد إلى الواجهة نقاشًا حادًا حول قدرة الليبيين على إدارة مستقبلهم بأنفسهم. في واقع هش ومتشظٍّ، تبدو الاتفاقية أقل كخطوة دعم فني وأكثر كوسيلة لإعادة تشكيل موازين القوى داخل الأزمة الليبية، ما يجعل أي حوار سياسي مستقبلي محل شكوك جدية حول استقلاليته ونزاهته.
الاتفاقية أثارت ردود فعل واسعة، على المستويين الرسمي والشعبي، وأعادت طرح تساؤلات حول حياد الأمم المتحدة، ودور التمويل الخارجي، وتأثيره على مسار الحل الليبي، في وقت لا تزال البلاد تعيش فوضى سياسية وانقسامًا بين حكومتين ومؤسستين تشريعيتين متنازعتين، مع سيطرة بعض المجموعات المسلحة على أجزاء من المدن.
تركزت التساؤلات حول دوافع قطر للتدخل الآن، وقيمة التمويل، والشروط المصاحبة له، وطبيعة العلاقة بين التمويل الخارجي وبين إرادة الليبيين في إدارة شؤون بلادهم. هذا السياق جعل الاتفاقية ليست مجرد دعم مالي، بل خطوة سياسية تحمل دلالات واضحة حول النفوذ الإقليمي في ليبيا.
نفوذ قديم يعود بثوب أممي جديد
تاريخيًا، لعبت قطر دورًا سياسيًا وإعلاميًا وعسكريًا في ليبيا منذ 2011، وارتبطت بعلاقات قوية مع تيارات معينة في الغرب الليبي. بعد انحسار دورها مع دخول تركيا على خط الأزمة، يبدو أن الدوحة تعود اليوم إلى الملف الليبي من بوابة جديدة: بوابة البعثة الأممية، ما اعتبره بعض المراقبين محاولة لإعادة التموضع والنفوذ في ظل غياب التركيز الأوروبي على الأزمة الليبية.
المراقبون السياسيون يرون أن التمويل القطري، حتى لو قدم عبر الأمم المتحدة، يظل جزءًا من لعبة النفوذ الإقليمي، قد يعيد رسم موازين القوى داخل العملية السياسية الليبية ويزيد من تعقيد المشهد.
الحكومة الليبية: البعثة تجاوزت صلاحياتها القانونية والسياسية
أصدرت الحكومة الليبية بيانًا شديد اللهجة استنكرت فيه الاتفاقية، واعتبرتها انتهاكًا مباشرًا للسيادة الوطنية. وأكد البيان أن البعثة تجاوزت صلاحياتها القانونية والسياسية من خلال توقيع اتفاق تمويل مع دولة أجنبية دون استشارة الجهات الرسمية، معتبرة أن هذا التصرف “سلوك خطير وغير مسبوق”.
كما طالبت الحكومة الأمين العام للأمم المتحدة بتحمل مسؤولياته القانونية والأخلاقية، وإجبار البعثة على تقديم اعتذار رسمي، وإلغاء أي تفاهمات مالية أو سياسية أُبرمت دون علم الدولة.
الحكومة اعتبرت الخطوة محاولة للالتفاف على المبادرات الوطنية، وتهديدًا لمبدأ “ملكية الليبيين لمسارهم السياسي”، مؤكدة أن أي خارطة طريق لن تُعد شرعية إلا إذا كانت نابعة من الداخل الليبي وخالية من أي تأثير خارجي.
موقف مجلس النواب
جاء بيان لجنة الدفاع والأمن القومي بالمجلس متماشيًا مع رؤية الحكومة، مستنكرًا تجاوز بعثة الأمم المتحدة لمبادئ الحياد والمهنية. ووصف الاتفاقية بأنها محاولة لتدويل الأزمة وفرض مشاريع خارجية تتقاطع مع مصالح الشعب الليبي.
وحذر المجلس من خطورة تمويل دولة أجنبية لمشروع سياسي داخلي، مؤكدًا أن أي دعم يجب أن يكون تحت إشراف الدولة الليبية مباشرة، وليس عبر اتفاقيات خارجية مع البعثة.
موقف مجلس الدولة
في مقابل ذلك، اتسم موقف المجلس الأعلى للدولة بالمرونة النسبية، معتبرًا أن أي دعم يُسهم في دفع العملية السياسية قُدمًا “مرحب به”، بشرط ضمان الشفافية الكاملة. هذه الرؤية تعكس حالة الغموض داخل طرابلس، التي ترى نفسها مستفيدة سياسيًا من أي دعم يمكّن البعثة من إعادة إطلاق المسار، لكنها في الوقت نفسه تدرك حساسية الشارع تجاه أي تدخل خارجي.
موقف حكومة الوحدة
تصدرت حكومة الوحدة الوطنية موقفًا حذرًا، إذ لم تصدر بيانًا قويًا، لكنها أرسلت إشارات تفيد بأن التمويل قد يساعد في تثبيت دورها كطرف رئيسي في أي ترتيبات انتقالية مستقبلية، مع إدراك أن الدعم القطري قد يمنح تأثيرًا إضافيًا لفاعلين سابقين لديهم علاقات مع الدوحة.
بيان الحركة الوطنية الشعبية الليبية
أصدرت الحركة الوطنية الشعبية الليبية بيانًا اعتبرت فيه الاتفاقية “سابقة خطيرة تهدد حياد الأمم المتحدة”، مؤكدة أن أي تمويل خارجي يعرض العملية السياسية للتأثير الخارجي، ويحوّل مخرجات الحوار إلى نتيجة للتمويل، وليس إرادة الليبيين.
وجاء في البيان: إن جزءًا كبيرًا من الشعب الليبي يُحمّل دولة قطر المسؤولية السياسية والأخلاقية -وربما الجنائية – عن دورها في الأزمة الليبية منذ تدخلها إلى جانب دول الناتو عام 2011، مما يجعل مشاركتها اليوم في تمويل أنشطة البعثة سببًا إضافيًا لغياب الثقة، ويقوّض أي إمكانية لاعتبار البعثة جهة محايدة يمكن أن تشرف على مسارات الحوار.
فعندما تُموَّل اللقاءات والأنشطة السياسية من طرف خارجي، تصبح العملية برمّتها عرضة للتوجيه، وتتحول مخرجاتها انعكاسًا لمصالح المموّل لا لإرادة الليبيين، وما يحدث اليوم يشبه فرض وصاية جديدة على البلاد بغطاء أممي وبإشراف دولة راعية.
وشددت الحركة على أن ليبيا بحاجة إلى عملية سياسية تحترم إرادتها الوطنية، وتبعد أي تدخل خارجي، مطالبة البعثة باستعادة حيادها، والالتزام بالشفافية والاستماع للشعب الليبي قبل أي طرف خارجي.
تبرير البعثة الأممية
برّرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا توقيعها اتفاقية التمويل مع دولة قطر على أنها جزء من آلية التمويل الطوعي المعمول بها داخل المنظمة الأممية. وأكدت البعثة أن التمويل يأتي لدعم البرامج المخصصة لتعزيز الحوار السياسي، وتمكين المجتمع المدني، وبناء القدرات الوطنية، مشددة على أن الأموال تُدار حصريًا ضمن إطار الأمم المتحدة، بما يضمن الشفافية والمساءلة، وأنها لا تمثل أي انحياز لأي طرف سياسي داخل ليبيا. وأضافت البعثة أن دعم قطر لخارطة الطريق السياسية يهدف أساسًا إلى توفير الموارد اللازمة لإنجاح برامج الحوار والورش الفنية بعد سنوات من الجمود، وأن الهدف هو مساعدة الليبيين على الانتقال إلى مرحلة انتخابية مستقرة، وليس التأثير على السيادة الوطنية أو القرار الداخلي.
لكن هذه التبريرات لم تنجح في تهدئة الغضب والانتقادات داخل المشهد الليبي. فالمراقبون والمحللون السياسيون رأوا في الخطوة انحرافًا خطيرًا عن حياد الأمم المتحدة، حيث اعتبروا أن قبول التمويل من دولة ذات مصالح واضحة في الملف الليبي، مثل قطر، يضع البعثة تحت مجهر الشكوك حول قدرتها على إدارة العملية السياسية بموضوعية. وقالت شخصية سياسية رفيعة المستوى إن “ليبيا لا تحتاج إلى تمويل خارجي لتحديد مسار حواراتها السياسية، بل إلى احترام إرادتها الوطنية”، مشيرة إلى أن أي تدخل مالي خارجي يمكن أن يتحول بسهولة إلى أداة ضغط على الأطراف الليبية، ويؤثر على نتائج الحوار.
ردود أفعال شخصيات سياسية وإعلامية:
عضو مجلس الدولة منصور الحصادي وصف الاتفاقية بأنها بداية غير موفقة لمسار الحوار السياسي، محذرًا من أن الخطوة ستضيف مزيدًا من العرقلة في المشهد السياسي، وتضعف الثقة في برامج البعثة وتحركاتها المقبلة، مؤكدًا أن المواقف الرافضة لن ترتبط بالجهة الممولة فقط، بل بأي تمويل أحادي الجانب قد يمس استقلالية المسار الأممي.
من جانبه، وصف محمد بعيو التمويل القطري بأنه فضيحة وطنية وخرق صارخ للسيادة الليبية، مطالبًا بطرد البعثة الأممية من ليبيا، ورأى أن أي تعامل مع قطر أو قبول تمويلها يعد “خيانة عظمى”. وأضاف بعيو أن الحوار السياسي المهيكل بتمويل قطري “غير واضح المعالم”، مشددًا على أن ليبيا قادرة على تمويل حوارها الوطني بنفسها، دون الحاجة لأي تدخل خارجي. وأكد أن القيادة العامة للجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر هي الضامن الحقيقي للأمن والاستقرار في البلاد، معبرًا عن دعم تحركات شعبية وقبلية تدعم رؤية الجيش لحسم الأزمة سياسيًا.
أما رمضان عبدالسلام فانتقد البيانات الرسمية التي تكتفي بالإدانة والشجب، معتبرًا أنها لا تعدو كونها إسقاطًا للواجب يزيد من إحباط الناس، داعيًا إلى تحريك الشارع وطرد الأجنبي بدل الانشغال بالمجادلات الشكلية.
وعلى صعيد آخر، شدد علي الصغير على أن أي بعثة أممية لا تملك حق البحث عن مصادر تمويل خاصة بها خارج الميزانية الرسمية للأمم المتحدة، وأن قبولها دعمًا مباشرًا من دولة أخرى يضعها تحت طائلة الشبهات القانونية والأخلاقية، ويقوّض استقلاليتها، ويثير مخاطر تدخل أجندات خارجية في مسار الحوار الوطني الليبي.
أما عمر أبو سعيدة فاعتبر توقيع الاتفاقية فتحًا للباب الخلفي لتسليم رقبة ليبيا لدولة قطر، محذرًا من أن محاولة البعثة تبرير التمويل لن تُقنع الليبيين الذين أصبحوا أكثر وعيًا وقدرة على كشف الأجندات، مؤكّدًا أن الشارع لن يسمح بإدارة البلاد عبر تمويلات مشبوهة أو وصاية خارجية.
محمد بوخروبة أضاف أن البعثة انتقلت من موقع الوسيط المحايد إلى موقع الممول من طرف ذي مصالح واضحة، ما يدفع بالمسار السياسي نحو منطقة ملغمة بالشكوك. وأكد أن شعارات تعزيز المشاركة ودعم الحوار بقيت بلا تفاصيل، وأن توقيع اتفاقية التمويل السياسي الطابع يجعل السؤال أكثر إلحاحًا: كيف يمكن أن يكون المسار ليبي القيادة والملكية بينما دعمه المالي يأتي من الخارج؟ وكيف يمكن الاطمئنان إلى حياد البعثة مع خلط الدعم المالي بالحسابات الإقليمية؟
واعتبر محمد الأمين الاتفاق بمثابة “رُقية تمويلية بوجه أممي وظل قطري طويل”. ورأى أن إنفاق قطر على البعثة لا يعدّ منحةً بريئة، بل مفتاحًا لنفوذ جديد يلوِّن القرار الليبي، ما يُسوّق على أنه دعمٍ للحوار والمشاركة المدنية هو في الواقع “ممر طويل من النفوذ”. وأكد أن ليبيا لا تحتاج الآن إلى مزيد من التمويل السياسي، بل إلى “إرادة جديدة” ومقاومة للتدخل.
من جانبه اعتبر عبدالله الديباني أن تصريح البعثة الأممية حول “حيادية وشفافية التمويل القطري” جاء مبهمًا ومبتورًا، وغير متناسب مع حساسية المرحلة التي تمر بها ليبيا. ويرى أن الحديث عن الشفافية دون الكشف عن حجم التمويل، وآليات الصرف، والجهات الرقابية، يجعل البيان أقرب إلى تبرير سياسي منه إلى التزام أممي حقيقي.
وبينما ترى البعثة أن التمويل الطوعي يمثل أداة تقنية بحتة لدعم العملية السياسية، يرى المراقبون أن الخطوة تحمل أبعادًا سياسية واستراتيجية واضحة، تعيد قطر إلى الملف الليبي عبر بوابة شرعية دولية، وقد تؤدي إلى تفاقم التجاذبات الإقليمية، ما يزيد من هشاشة المشهد السياسي ويعقد مستقبل أي انتخابات أو مسار انتقال سياسي.
في النهاية، يشدد المراقبون على أن مستقبل خارطة الطريق ونجاح أي مسار سياسي في ليبيا يعتمد على قدرة الليبيين أنفسهم على تجاوز خلافاتهم، وصياغة اتفاق وطني مستقل، بعيدًا عن أي تدخل خارجي أو تمويل مشبوه، مؤكدين أن البعثة الأممية مطالبة اليوم أكثر من أي وقت بالتحلي بالحياد والشفافية، واستعادة ثقة الشعب الليبي قبل أن تصبح مجرد طرف في الصراع بدلًا من أن تكون وسيطًا محايدًا.

زر الذهاب إلى الأعلى