مقالات الرأي

الفساد يخلُق الطبقية

بقلم/ د. محمد جبريل

والطبقية تولِد الغُبن، الذي يهدد السلم الاجتماعي

انقسم الشعب الليبي بعد سنة 2011 إلى طبقتين: طبقة فقيرة مسحوقة عاجزة عن توفير أدنى متطلبات العيش، وأخرى فاحشة الثراء، جمعت أموالًا طائلة بطرق غير مشروعة، كالتهريب والاتجار بالبشر والمخدرات وأعمال الخطف والابتزاز ونهب الثروات المعدنية، واستغلال الوظيفة للارتشاء والاستحواذ على الاعتمادات المصرفية والعطاءات العامة. وقد انتحل هؤلاء صفة “رجال أعمال”، بينما رجال الأعمال الحقيقيون يبنون ثرواتهم من نشاط مشروع كالصناعة أو الزراعة أو الخدمات أو البحث العلمي أو براءات الاختراع.

ودجَّن الفاسدون بعض أدوات إنفاذ القانون عبر إدماجهم في حلقة الفساد بالإغراء والرشوة أو بالتهديد والترويع، حتى أصبحت قضايا الفساد تمرّ دون حسيب أو رقيب.

إنّ النهب يخلق الفوارق ويدمّر الخدمات العامة؛ فمثلاً عدم قدرة الأغلبية على تحمّل تكلفة الخدمات، كالتعليم، سيؤدي إلى طبقية تعليمية تُنتج الاحتقان، إذ غالبًا ما كانت الثورات تُشعلها حالة الظلم الطبقي.

ومن المخاطر على السلطة أنه إن جرت انتخابات في هذه الظروف، فالفاسدون هم الأقدر على تمويل الدعاية وشراء الأصوات، فيستولون على الأجسام التشريعية، ويسنّون قوانين تخدم مصالحهم، ويشكّلون حكومات وأجسامًا سيادية تأتمر بأمرهم، فيتشرعن النهب، وتغيب العدالة الاجتماعية، وتتحوّل الدولة إلى شرطيّ لحماية طبقة النهابين.

ولترسيخ السلم الاجتماعي واستئناف التنمية، يجب اتخاذ إجراءات عملية منحازة للفئات الضعيفة؛ كتوفير الحاجات الأساسية، وتقديم الخدمات العامة المجانية بمعايير راقية، وإيجاد فرص عمل حقيقية للشباب، وأن تنحاز القوانين الانتخابية القادمة لذوي الدخل المحدود والطبقات الوسطى والفئات الهشّة، عبر شرعنة تمييز إيجابي يمنحهم أغلبية المقاعد ويحدّ من تأثير المال الفاسد، إضافة إلى اتخاذ إجراءات حدّية وجدية لتطبيق التشريعات السارية، بتجريد النهابين من الأموال المنهوبة ومحاكمتهم، وإحداث ضغط دولي لمكافحة غسل الأموال، واستعادة ما هُرّب إلى الخارج، وملاحقتهم قضائيًا.

إنّ هذا الواقع المرير يضعنا أمام مفترق مصيري؛ فإمّا أن نختار طريق العدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد ودعم المؤسسات الرقابية والقضائية لبناء مستقبل مزدهر للأجيال القادمة، أو سننحدر إلى هاوية الطبقية المميتة والعبودية المقيتة، وقد نجد أنفسنا أمام اضطرابات شعبية لا يمكن التنبؤ بنتائجها.

وتقع المسؤولية على عاتق مؤسسات الدولة لتفعيل دورها الرقابي والقضائي والتوعوي، وعلى النخب السياسية والفكرية لتجذير الوعي، وعلى المواطن ليرفض التطبيع مع الفساد ويدافع عن حقوقه المشروعة؛ فالوعي الجمعي والإرادة الشعبية قادران على قلب المعادلة وتغيير الواقع المرير

زر الذهاب إلى الأعلى