مقالات الرأي

مسلسلاتُ الإحباط!

بقلم/ مصطفى الزائدي

شهرٌ وأسبوعٌ مضيا على المهلة التي حدّدتها “الحنا”تيتّه لإصدار قوانين انتخابية متوافقٍ عليها وحسم تعيينات رؤساء المواقع السيادية، وتغيير مفوضية الانتخابات، وتشكيل حكومة موحّدة تُجري انتخابات، ولم يلُحْ في الأفق ما يشير إلى أن أيًّا من ذلك سيتحقق في هذا العام على الأقل!

أما “الحوار المهيكل” – وهو مجرد تسمية جديدة لمسميات قديمة يعاني الشعب نتائجها – فربما لن يرى النور لا هذا العام ولا العام الذي يليه، رغم عشرات الآلاف من المتسابقين للجلوس في مقاعده، وتعدد أنواع الترشيحات التي طلبتها البعثة أو بعض موظفيها، وإعداد اللقاءات والاجتماعات التي عقدتها، في محاولة للإيحاء بأن شيئًا ما يجري تنفيذه.

الحقيقة التي ربما لا يعرفها الشعب الليبي، أن مبعوثي الأمين العام للأمم المتحدة، على تعددهم واختلاف جنسياتهم وحتى تعدد نوابهم، ورغم تعدد الموظفين الدوليين الذين يعتاشون على الأزمة الليبية، ليسوا من يضعون الخطط ولا من ينفذونها، فإن أبرز شخصيتين فاعلين في البعثة، هما السيدة إيناس أحمد السودانية، والسيد مكرم ملاعب الدرزي اللبناني، اللذان ينظمان كل شيء منذ تأسيس البعثة عام 2011، وخصوصًا بعد انتهاء عمل الموظفة الفلسطينية رولاوالأردني معين شريم، هؤلاء هم من يديرون الشأن الليبي من الألف إلى الياء، أمّا المبعوثون – وليس تبرئةً لهم – فمجرد ممثلين يخرجون على المسرح بأوامر من “المخرجين” ليقرأوا نصوصا مكررة، أما سياسةالأمم المتحدة في ليبيا فهي ثابتة كما رسمتها الدول الغربية الكبرى المتدخلة، لتحقيقمصالحها، ولا تتغير إلا بإرادتها!

فهل يمكن توقع اختراقات جدّية من موظفين صغار ينتمون إلى بلدان تعاني أزمات ربما أسوأ من ليبيا؟

وعلى سبيل المزاح أستذكر ما قاله ترامب ردًا على عضوة الكونغرس من أصول صومالية “إلهان عمرو” عندما انتقدت سياسته، إذ قال:

“كيف لشخص من بلد جائعٍ ممزقٍ أن يعلّمنا ماذا نفعل؟”.

مع دعمي الكامل للسيدة البطلة “إلهان” وتقديري لمواقفها الشجاعة التي للأسف لا يمتلكها الموظفون العرب في البعثة!

ورغم تقديري لهذه الشخصيات، وأيضا الاعتبار لمخاوف كثير من الليبيين من ارتباط بعضهم بدوائر استخباراتية معينة، فإن المنطق يقول:

“فاقدُ الشيء لا يعطيه”، فهؤلاء لا يمتلكون القوة الشخصية في السياسة والثقافة وإدارة الأزمات، وليس لهم ظهرٌ يشد أزرهم، ودورهم يختصر في إعداد تقارير المبعوثين بلغة منمقة، وتنظيم برامج لتفريغ شحنات القوى الليبية المتحمسة للبحث عن حل في جراب الأمم المتحدة، من خلال تعدد الاجتماعات واللقاءات غير المجدية، وتنظيم الحوارات الصورية، وطرح الاستفتاءات حول أي شيء، وتقديم الوعود للأفراد والتجمعات باختيارهم في الحوارات.. وهكذا.

في تقديري، البعثة لا تمتلك أي برنامج عملي يُبنى عليه، لكنها نجحت في إلهاء كثير من النخب الليبية وقتل حماسهم بسلسلة متواصلة من الإحباطات، وبكل جدارة نجحت في إجهاض كل المحاولات الليبية – السلمية والمسلحة – لإعادة بناء الدولة، وتطهيرها من الإرهاب والإجرام ومحاربة الفساد، وتأسيس دولة جديدة تقوم على مبدأ الاستقلال التام والمساواة بين الليبيين في الحقوق والواجبات، وتمكينهم من تقرير مصيرهم وتحقيق استقرار مستدام، وإطلاق مشاريع جدية لمصالحة مجتمعية شاملة تقوم على رد المظالم وجبر الضرر وإعمال القانون، والشروع الجدي في عملياتالبناء والإعمار، وهنا أكرر وبكل ثقة، أن لا انتخابات بأي شكل في الزمن المنظور، وأي حديث عنها مجرد أوهام ومحاولة إلهاء جديدة.

ولا توافق بين المسيطرين على المشهد لبناء سلطة وطنية قادرة على استعادة الدولة، وإن حصل توافقٌ فسيكون جزئيًا وعلى تقاسم المغانم ليس إلا. وسيؤدي فقط إلى مزيد من النهب والفساد، وسيقود حتمًا إلى التقسيم!

لكي نخرج من سلسلة الإحباطات، علينا أن نلقي جانبًا تلك الأوهام، وأن نواجه الحقيقة كما هي، وأن نجتهد ونعمل لاستعادة بلادنا. وليس أمامنا إلا أحد خيارين لا ثالث لهما:

الخيار الأول:

حراكٌ شعبي وطني يقوده الشباب فعليًا – وليس أكذوبة “ثورة الشباب 2011” التي قادها واستفاد منها عواجيز المخابرات الأجنبية – لتغيير الأمر الواقع الهش وفرض سلطة وطنية بشرعية شعبية من خلال انتخابات تُجرى خارج سطوة السلاح والمال الفاسد.

الخيار الثاني:

أن تستكمل القوات المسلحة العربية الليبية مهمتها، وأن تسيطر بأي وسيلة على ما تبقى من الأراضي الليبية، وتفرض أيضًا انتخابات حقيقية بعيدًا عن سطوة السلاح والمال الفاسد.

وعلى النخب الليبية التي لا يزال بعضها يتوهم حلولًا من بعثة الأمم المتحدة أو من الدول التي دمّرت ليبيا، أن تحسم أمرها وتتبنى أحد الخيارين، خاصة وأن قيادة الجيش تدعو علنًا إلى حراك شعبي وطني وتعهدت بحمايته.

زر الذهاب إلى الأعلى