مقالات الرأي

علمنة الوجود الإنساني.. بين المادة وفقدان المعنى

بقلم/  المهدي الفهري

من الصعوبة إعطاء تعريف محدد للحداثة، فهي ذات أوجه وأبعاد متعددة، حيث تُعد الحداثة مرحلة تاريخية وفكرية كبرى ارتبطت بالتجديد والتحديث ورفض السلطة المعرفية القديمة، في حين تمثل العلمنة جزءًا من الحداثة ونتاجًا أساسيًا من إنتاجاتها، تقوم على إعادة بناء الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على أسس مادية بحتة، ما أدى إلى علمنة الوجود الإنساني وتجريده من أبعاده الروحية والمعنوية وتركه يتأرجح بين المادة وفقدان المعنى. بدأ الإنسان الحديث يفقد الإطار الرمزي الذي كان يمنح حياته تقديرًا وقيمة تتجاوز الإشباع المادي، لتحل رؤية جديدة للمعنى تُقصي الجانب الروحي عن تفسير الوجود وتبرير القيم، وتفصل مؤسسات الدولة عن أي سلطة متجاوزة للمنظور الوضعي. رغم تعدد تعريفات الحداثة واستحالة اختزالها في نموذج واحد، فإن الباحثين يختلفون في مداخل فهمها، فبينما يربطها الاقتصاديون بالنمو والتصنيع ونشوء الرأسمالية والاشتراكية، يرى علماء الاجتماع أنها تجليات لتحولات عميقة أصابت البنية المجتمعية، ويتجه علماء السياسة إلى تحليل أثرها في إعادة تشكيل الأنظمة وتوازنات السلطة، أما المثقفون فينظرون إليها بوصفها ثورة في الوعي الاتصالي وأدوات التواصل وما أحدثته من تغير في بنية العلاقات داخل المجتمع. على الرغم من اختلاف هذه الرؤى، فإن التقنية بوصفها روح الحداثة تظل القاسم المشترك الذي جمع أطراف الحداثة وحدد طبيعتها المادية وامتداداتها الثقافية والاجتماعية بين التقدم الاجتماعي والانفصال القيمي. المظاهر المادية لا يجب أن تحجب جوهر الحداثة بوصفها موقفًا فكريًا وعقليًا يقوم على إخضاع الواقع للتفسير المادي الخالص، وإقصاء أي بعد غيبي أو ميتافيزيقي عن فهم العالم، فالحداثة في جوهرها رؤية للعالم تستمد شرعيتها من الواقع الطبيعي والاجتماعي، وتُحيّد مصادر المعرفة التي لا تعود إليه مباشرة. إنها ثمار تاريخ طويل من التحولات الفكرية في أوروبا، جعلت منها ظاهرة غربية المنشأ، بينما بقيت الحداثة خارج الغرب في معظم تجلياتها تابعة من حيث التصور والمنهج والنتائج، باعتبارها نتاج إشعاع الحضارة الغربية على العالم عبر القرون الثلاثة الأخيرة. لفهم الحداثة ومنهجها لابد من قراءة الجذور الفكرية للتحول الحضاري وتشكل الوعي الحداثي الغربي، والعودة إلى الرؤية الكونية التي أعادت تشكيل العقل الغربي منذ القرن الخامس عشر، حين تضافرت تيارات كبرى من أهمها تيار الإصلاح الديني البروتستانتي الذي حرر الإنسان من سلطة الكنيسة، بينما جعل التيار الإنساني من الفرد مرجعًا للمعنى والقيمة، وأسست الفلسفة العقلانية لمنهج يضع العقل في مركز المعرفة، وهكذا برز الإنسان الحديث بوصفه المرجع النهائي للحقيقة والمعيار الأعلى لقيم الوجود. الدراسات الاجتماعية الحديثة تكشف عن أزمة معنى عميقة في المجتمعات الغربية المعاصرة بعد قرون من تطبيق العلمانية والتركيز على التطور المادي وما واكبها من فراغ روحي وضياع وجودي مع تزايد مستمر في الانحراف والاكتئاب والإدمان، وهي ظواهر ليست عرضية ولا بيولوجية، بل أعراض لأزمات أعمق ناتجة عن فقدان الإطار المعنوي الذي يمنح الإنسان أهمية وغاية، ويضعه في سياق كوني أوسع من حياته الفردية الضيقة. في ذلك رد على العلمانية الليبرالية التي قد تستطيع تنظيم الحياة المادية والسياسية، لكنها لا تستطيع لوحدها أن تمد المجتمع بالموارد المعنوية والأخلاقية اللازمة لاستمراره، فهي تحتاج إلى قيم مثل العدل والتضامن والتسامح والمسؤولية، ناهيك عن تقديم إجابات مقنعة عن أسئلة غامضة كالفناء والألم والخلاص. ومن هنا ظهرت الدعوة والحاجة الماسة إلى مجتمع ما بعد الحداثة وما بعد العلمنة لإعادة التوازن بين القيم الروحية والقوانين المدنية وما بين الاستيعاب والتبعية الحضارية.

زر الذهاب إلى الأعلى