مقالات الرأي

قرار مجلس الأمن.. أداة لإعادة إنتاج الهيمنة

بقلم/ محمد علوش

في لحظة بدا فيها العالم كأنه يلتقط أنفاسه بعد عامين من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، أصدر مجلس الأمن الدولي قراراً جديداً يقدَّم بوصفه مدخلاً لإنهاء الحرب، بينما هو في الحقيقة امتداد لمسار طويل من إعادة هندسة المشهد الفلسطيني وفق رؤى القوى الكبرى، التي تتعامل أحياناً مع معاناة الشعب الفلسطيني بوصفها عناصر للتفاوض وإعادة ترتيب المصالح في المنطقة.

ورغم ترحيب دولة فلسطين باعتماد القرار، وتأكيدها أهميته في وقف إطلاق النار، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية، ومنع التهجير، والمساهمة في إعادة الإعمار، إلا أن جوهر القرار يفتح الباب أمام قراءة نقدية تتعلق بكيفية تحويل وقف النار إلى أداة سياسية توظَّف أحياناً لإعادة إنتاج نفوذ القوى الكبرى، بدلاً من فتح مسار حقيقي نحو إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

القرار، كما طرح على مجلس الأمن، لا يشكّل تقدّماً ملموساً في مسار الحل السياسي، بل يلتفّ بصياغة دبلوماسية على الصمود الذي أظهره الشعب الفلسطيني في غزة، والخطط السابقة، التي تعاد اليوم ضمن صيغ جديدة، لا تزال تتضمن عناصر ترتبط بترتيبات أمنية واقتصادية قد تبقي على نمط الانقسام territorial fragmentation، بينما يقدَّم القرار للعالم باعتباره حلاً عقلانياً، في حين أن جوهره قد يقيد الأفق السياسي أمام الفلسطينيين ويحوّل القضية من قضية تحرر وطني إلى إدارة نزاع مؤقتة.

ولا شك أن وقف الحرب ضرورة إنسانية عاجلة، وأن حماية الأرواح واجب عالمي، إلا أن الخطة المطروحة تخلو من مضمون يضمن السيادة الوطنية، والحرية، والحق في تقرير المصير، فالقرار يترك غزة في حالة إعادة إعمار محدودة دون تحرير حقيقي، والضفة الغربية في وضع أمني محكم، والقدس في إطار يناقش مستقبلها خارج إرادة سكانها الشرعيين، فهو يتعامل مع آثار الاحتلال دون معالجة جذوره، ويطلب من الفلسطينيين تقديم تنازلات، بينما لا يفرض على الاحتلال التزامات واضحة، مثل الانسحاب أو وقف الاستيطان أو الاعتراف بالدولة الفلسطينية أو جدول زمني لإنهاء الاحتلال.

كما أن لغة القرار الدبلوماسية تخفي أحياناً نتائج مباشرة لآلة الحرب، من تهجير ودمار وتغيير ديموغرافي ومحاولات لفرض وقائع على الأرض، وهو ما يستدعي حرص المجتمع الدولي على ضمان التزام الاحتلال بالمسؤوليات القانونية والأخلاقية تجاه الشعب الفلسطيني.

إنّ المرحلة الراهنة تفرض على القوى الفلسطينية إعادة التموضع داخل إطار منظمة التحرير الفلسطينية، وتفعيل مؤسساتها، وصياغة برنامج وطني شامل يضمن السيادة الوطنية، ويؤكد على رفض الوصاية الخارجية، كما يتطلب الأمر تعزيز الدور العربي الداعم لحقوق الشعب الفلسطيني، بما يساهم في حماية المشروع الوطني من أي محاولات لتجزئته أو تقييده سياسياً واقتصادياً.

قرار مجلس الأمن الأخير ليس حدثاً عابراً في مسار القرارات الدولية، بل يشكل لحظة تستدعي التقييم والمراجعة الدقيقة لضمان عدم المساس بحقوق الشعب الفلسطيني، صحيح أن القرار يتضمن بعض المكاسب الإنسانية، لكنه في جوهره يحتاج إلى متابعة دقيقة لضمان ألا يتحول إلى أداة تحد من حقوق الفلسطينيين على المدى الطويل، وإن ما يصون الحق الفلسطيني في غزة والضفة والقدس ليس مجرد نصوص قرارات دولية، بل الإرادة الشعبية، ووحدة الصف الفلسطيني، وشرعية النضال من أجل الحرية والاستقلال، والشعب الفلسطيني الذي صمد في مواجهة التحديات قادر على حماية حقوقه ومواجهة أي محاولات للهيمنة، مهما بدت مقنعة بالصيغ الدبلوماسية.

زر الذهاب إلى الأعلى