الانبعاث من بين رماد المأساة – الجزء الأول

بقلم/ محمد عبدالقادر
تقول الأسطورة اليونانية القديمة إن طائرًا يسمى “الفينيق” حسب التسمية اليونانية، أو “العنقاء” في التسمية العربية، يعيش طويلاً حتى أكثر من خمسمائة سنة، تقول الأسطورة إن موعد موته قد اقترب، وقد مات على شكل مأساة حقيقية، فهو حين تقترب مأساته ونهايته يذهب إلى حيث الشمس أو يصفق بجناحيه فتشتعل شرارة، فيحترق كامل جسده، وتحول إلى رماد. لكن حياته تتجدد من بين كومة الرماد تلك، فتنبعث حياة جديدة أكثر قوة ونهوضًا، الفينيق أو العنقاء سينبعث من جديد بقوة وعنفوان وبمعنى أعمق، التجدد والانبعاث، حيث يولد من كومة رماده، ويعيد التشكل منها ليؤكد القدرة على تجديد الذات والنهوض من جديد. هنا يؤكد طائر الفينيق امتلاكه القوة وتحليه بالمثابرة التي تمثلت في قدرة الروح على التحمل واستعادة القوة بعد الضعف أو السقوط، “الانبعاث من بين كومة الرماد”، أي التغلب على الصعاب وبدء مرحلة جديدة في حياته. يجدر بنا التأكيد أن استخدام الرمزية كان للدلالة على وقوع المأساة وهي الاحتراق الذي لن يكون فصلاً يمثل الخاتمة بالنسبة لطائر الفينيق، بل لصنع بداية جديدة وفصل جديد في حياته، وانبعاث يتجدد من بين رماد احتراقه، هذا هو الرمز الأقوى الذي يؤكد أيضًا أن من المأساة يولد الانبعاث، ومن الموت الحياة الجديدة التي ترمز إلى القدرة على تجديد الذات والنهوض من جديد بعد فترة من الدمار أو الموت أو المحن أو الفشل. إنها دورة الحياة التي لا تنتهي، كل نهاية معتقدة هي بداية مؤكدة، لكن تأكيدها يأتي من إرادة الفينيق ذاته، وليس من إرادة غيره، الذي كثيرًا ما لا يُريد له أن يُبعث من جديد. يرمز كذلك إلى قدرة الروح على التحمل واستعادة القوة بعد الضعف أو السقوط، إنه بتعبير آخر انتصار الحياة على الفناء، إنها إرادة “النهوض من الرماد”.
كانت هذه مقدمة مهمة استخدمنا فيها الميثولوجيا اليونانية لاستلهامها في تناول موضوعنا الأساسي وهو انبعاث ليبيا من بين الرماد، فالرماد في سياق ليبيا خاصة بعد الإشارة الرمزية إلى “احتراق طائر الفينيق” حالة معقدة ومترابطة من التدهور والنتائج السلبية التي خلفتها سنوات الصراع أو سنين الجمر الملتهب، يمكن تفسيرها على أنها مزيج من المعاني والدلالات فيما يتصل بـ “الرماد” هنا فيما يتصل بليبيا، فهو إشارة لما حدث فيها فعلاً من التدمير المادي والتخريب الواسع النطاق في كل المستويات، فقد مثل “الرماد” بشكل مباشر نتائج القتال العسكري وتدمير البنية التحتية اللازمة لاستمرار الحياة، إنهاء وتدهور، يشمل كل دمار المدن والمنشآت الحيوية والمؤسسات العامة، مما ترك أثرًا ملموسًا على حياة المواطنين المعتادة. فالرماد كان دلالة رمزية على التدمير والاعتداء ودخان القصف المكثف على كل المدن الليبية وكل المراكز الحيوية حتى المدنية منها بحجة وجود آليات عسكرية فيها. كذلك رمز “الرماد” إلى بقايا الوحدة الوطنية المحترقة والتي تحولت فيها الكتلة البشرية المترابطة التي كانت يضرب بها المثل في تماسكها وقربها وعلاقاتها الوثيقة والمصاهرة الواسعة، ضربت في العمق بخلق صراعات متواصلة. كذلك نتج عن تحريك صراع وإشعال فتيله بالتلاعب في بث الفتن والإشاعات والدعايات الكاذبة، بشراء قنوات وصحف دفع لها بسخاء لتثير كل هذا لاعتام الرؤية حول ضعاف النفوس. يشير الرماد إلى الانقسامات العميقة على المستوى القبلي والجهوي والسياسي، ووجود حكومتين متنافستين أو أكثر في فترات مختلفة، مما خلق فراغًا وهشاشة في الدولة، يُعد هذا انقسامًا ترك المجتمع في حالة من التشرذم واليأس.
