ليبيا: الانكشاف السياسي على الخارج -2

بقلم/ موسى الأشخم
على الرغم من الاعتقاد السائد بأن الأحزاب هي العمود الفقري للديمقراطية، فإن الأحزاب تضعف الولاء الوطني وتقدّم الولاء الحزبي على الولاء للوطن في كل بلدان العالم. ومع ذلك، فإن الأحزاب في المستعمرات الغربية السابقة تفوق الأحزاب في الإمبراطوريات السابقة سوءًا، وذلك بتقديم الولاء للخارج على الولاء للوطن حرصًا على الدعم الخارجي المادي والمعنوي، حيث يتعذر وصول حزب ما إلى السلطة في البلدان الضعيفة والتابعة دون دعم مادي وسياسي وإعلامي من القوى الدولية الكبرى ووكلائها الإقليميين. وإن وصل حزب ما إلى السلطة في غفلة من تلك القوى، فستمارس عليه الضغوط حتى يخضع لمشيئتها، على الطريقة الواردة في مسرحية الدوامة لجان بول سارتر. ومن هناك، تُعد الأحزاب في البلدان الضعيفة والتابعة على رأس أدوات الانكشاف السياسي على الخارج.
وتتفشى في بلادنا الأحزاب والجماعات السياسية التي لها امتدادات في الخارج إلى الحد الذي يجعلها مجرد فروع للمراكز الحزبية الخارجية، ناهيك عن تقديم الولاء للممول والداعم الخارجي على حساب الولاء للوطن، ما يجعل بلادنا منكشفة تمامًا على الخارج.
تُعد الجمعيات غير الحكومية أداة من أدوات التعويض عن قصور النظم النيابية في تلبية حاجات ومطالب الشعوب، واستحدثت لتعمل على نحو موازٍ لجماعات الضغط التي تمارس ضغوطًا على الحكومة والمجالس النيابية من أجل رعاية مصالح رجال المال ورجال الصناعة، ولتمارس بعض الضغوط لمصلحة الشرائح والفئات المهمشة. غير أن الجمعيات غير الحكومية غالبًا ما تقدم مصلحتها على مصلحة الوطن، وفي البلدان الضعيفة والمستعمرات الغربية السابقة على نحو خاص، ناهيك عن تقديم الولاء للراعي والممول الخارجي، ومن ثم الولاء للخارج على حساب الولاء للوطن، وهو ما يعزز كون الجمعيات غير الحكومية إحدى أهم أدوات انكشاف الدولة على الخارج.
والجمعيات الأهلية أو غير الحكومية في بلادنا مرتع للتمويل والتوظيف الأجنبي بلا رقيب ولا حسيب، ما يجعل بلادنا منكشفة تمامًا على الخارج.
للنقابات دور مطلبي لأصحاب المهنة الواحدة في النظم النيابية، وهي تعبِّر أيضًا عن قصور تلك النظم، وإلا لما احتاج المهنيون إلى من يدافع عن مصالحهم أمام نواب الشعب، وهم جزء من الشعب إن لم يكونوا الشعب كله. والنقابات تقدم مصلحة أصحاب المهنة الواحدة على المصلحة الوطنية، وتقدّم نقابات البلدان الضعيفة ارتباطاتها بالنقابات الأممية والدولية على حساب ارتباطاتها الوطنية، كما تلجأ إلى التمويل الخارجي لنشاطاتها النقابية.
ومن هناك، تعد النقابات في البلدان الضعيفة والتابعة إحدى أدوات الانكشاف السياسي على الخارج. ولا شك أن جل نقاباتنا لها ارتباطات خارجية، وإن كنا لا نعلم أو لا نجزم بالتمويل الخارجي لها، لكنها حتمًا من ضمن الأدوات التي تستخدمها القوى الخارجية لضبط إيقاع الداخل الليبي بما يخدم مصالح تلك القوى.
يُعد تسرب السلاح إلى المدنيين وضعف المؤسسات العسكرية والأمنية، وظهور جماعات مسلحة خارج سيطرة الدولة، بل غالبًا تصبح الحكومة والدولة في قبضتها أو تحت سيطرتها، من العوامل المؤدية إلى هشاشة الدولة وفشلها، ومن ثم إلى انكشافها على الخارج. وما أن تتفشى ظاهرة الجماعات المسلحة حتى تسعى القوى الدولية والإقليمية إلى استمالة بعض تلك الميليشيات وشراء ولائها بالمال والسلاح، لتمكينها من تنمية نفوذها في البلاد وزيادة نصيبها في نهب مواردها وثرواتها.
ومن هناك، فإن حالة عدم الاستقرار السياسي وتسرب السلاح من مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، أو حتى عبر المنافذ البرية والجوية والبحرية، تؤدي كارثيًا إلى انكشاف كامل أو شبه كامل للدولة. وهذا ما يتفشى في ليبيا على نحو غير مسبوق، معريًا البلاد في مواجهة الخارج، وهو ما ينطبق عليه المثل الليبي: طاح الغطاء يا امبمبكة.
تنصرف حثالة البروليتاريا إلى الشرائح والفئات التي ترتزق من الأجانب المقيمين داخل البلد مؤقتًا أو دائمًا، وهو مصطلح نحته طبيب الثورة الجزائرية المناضل والمفكر فرانز فانون، ويضم العاملين في الشركات الأجنبية، والسفارات الأجنبية، وبيوت الأجانب، والقواعد العسكرية الأجنبية إن وجدت، وأيضًا العاملين في الفنادق والمنتجعات السياحية، وسائقي سيارات الأجرة ومن في حكمهم، مع التسليم بخطأ التعميم. ترتبط مصالح هذه الفئات بالحضور الأجنبي، وغالبًا ما تبيع ذممها مقابل سيل البقشيش، وتتقاضى أسعارًا خيالية نظير خدماتها للأجانب، وهو ما يعزز الانكشاف الأمني على الخارج، ويضاعفه في بلادنا سقوط العملة المحلية أمام العملات الأجنبية، الأمر الذي يقلل المناعة الوطنية لهذه الشريحة أمام إغراءات الأوراق الخضراء(Green Dollar).
تنصرف حثالة البرجوازية إلى شريحة التجار ورجال الأعمال، وخاصة الوكلاء التجاريين للشركات الأجنبية، وأصحاب الفنادق، ومالكي العقارات المستأجرة من الأجانب، وهو مصطلح على غرار حثالة البروليتاريا لفانون، ليرصد سلوك نبلاء المال الذين يتهافتون على مراكمة الأرباح من مصادر أجنبية، ما يدفعهم غالبًا إلى بيع ذممهم لأصحاب تلك المصادر، ويعزز الانكشاف الأمني على الخارج. وللوكلاء التجاريين للشركات المتعددة الجنسيات تاريخ حافل في الولاء للأجنبي، والتمكين للقوى الكبرى من فرض سطوتها على بلدانهم، ويصل إلى التورط في تمويل ورعاية الانقلابات العسكرية المدعومة من الخارج، وكذلك الغزو المسلح لبلدانهم.
ولنا عودة لبقية أوجه وأشكال انكشاف الدولة على الخارج.
