مقالات الرأي

ليبيا تنتظر.. والبعثة الأممية تكتفي بالإحاطات!

بقلم/ فرج بوخروبة

منذ تأسيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عام 2011، عقب التحول السياسي الذي شهدته البلاد، تولّت البعثة مهمة دعم المرحلة الانتقالية عبر المساعدة الفنية والسياسية، وتعزيز الحوار الوطني، ودعم بناء المؤسسات الديمقراطية. ورغم مرور أكثر من عقد على عملها، لا تزال ليبيا تعاني من انقسامات سياسية حادة، وانهيار مؤسسات الدولة، وتدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية، ما يثير تساؤلات حول فاعلية البعثة وجدوى استمرارها بصيغتها الحالية.

الدعم الدولي للبعثة كان واضحًا منذ البداية، إذ حظيت بتأييد واسع من مجلس الأمن، وتمويل مستمر من الدول الأعضاء، وتعاون مع منظمات دولية متعددة. وقد تعاقب على إدارتها عدد من المبعوثين الدوليين، كل منهم قدم خطة عمل مختلفة، إلا أن هذا التعدد أدى إلى غياب الاستمرارية المؤسسية، حيث لم تستفد البعثة من التجارب السابقة، بل أعادت إنتاج نفس الإشكاليات بصيغ مختلفة، ما ساهم في إضعاف الثقة بها داخليًا.

من أبرز مظاهر الفشل المتكرر للبعثة الأممية عدم قدرتها على فرض خارطة طريق واضحة تُلزم الأطراف الليبية بتنفيذها. فالاتفاقات التي رعتها، مثل اتفاق الصخيرات، لم تُنفذ بالكامل وظلت حبرًا على ورق بسبب غياب آليات تنفيذية ملزمة، وعدم وجود ضمانات دولية حقيقية. كما اعتمدت البعثة -بشكل مفرط- على النخب السياسية التقليدية، وتجاهلت القوى الشبابية والمجتمعية، ما أدى إلى تهميش فئات واسعة من الشعب الليبي، وأضعف شرعية العملية السياسية.

البيئة السياسية الليبية المعقدة والانقسامات الجغرافية والمؤسساتية زادت صعوبة مهمة البعثة، فوجود حكومتين متنافستين، وتعدد الميليشيات المسلحة، وتدخلات خارجية متضاربة، جعل ليبيا ساحة صراع إقليمي ودولي يصعب على أي جهة أممية إدارتها بفاعلية دون توافق دولي حقيقي. وقد أظهرت التجربة أن بعض القوى الدولية تضع مصالحها فوق مصلحة الشعب الليبي، ما يعرقل جهود التسوية ويُضعف دور البعثة في فرض حلول عادلة وشاملة.

الإحاطات الدورية التي تقدمها البعثة الأممية أمام مجلس الأمن تعكس حجم التحديات، لكنها غالبًا ما تفتقر إلى توصيات عملية قابلة للتنفيذ. ففي آخر إحاطة، تم التركيز على ضرورة إجراء الانتخابات وتوحيد المؤسسات، إلا أن غياب جدول زمني واضح، وعدم وجود ضمانات دولية لتنفيذ هذه الأهداف، يجعلها عرضة للتأجيل والتعطيل. كما أن اللغة الدبلوماسية المستخدمة تُخفي أحيانًا حجم التعطيل الذي تمارسه بعض الأطراف المحلية والدولية، وتُضفي طابعًا تفاؤليًا غير واقعي على المشهد السياسي الليبي.

من الناحية الفنية، تعاني البعثة من ضعف في آليات المتابعة والتقييم، وغياب مؤشرات واضحة لقياس التقدم المحرز. كما أن الشخصنة وعدم المؤسسية في إدارة البعثة، حيث يأتي كل مبعوث جديد بخطة عمل مستقلة، دون الاستفادة من المبادرات السابقة، يُضعف فاعليتها ويجعلها عرضة للتكرار والتناقض. هذا النمط من الإدارة يُظهر أن البعثة لم تنجح في بناء ذاكرة مؤسسية قوية، ولم تطور أدوات تحليلية لفهم الأزمة الليبية بشكل علمي ومنهجي.

في المقابل، لا يمكن إنكار بعض النجاحات الجزئية مثل تنظيم ملتقى الحوار السياسي الليبي، ودعم وقف إطلاق النار، وتيسير بعض اللقاءات بين الأطراف المتنازعة، إلا أن هذه النجاحات لم تُترجم إلى نتائج ملموسة على الأرض بسبب غياب الإرادة السياسية الليبية، وتضارب المصالح الدولية، وضعف المتابعة الأممية. كما أن البعثة لم تنجح في بناء علاقة ثقة مع الشعب الليبي، الذي بات ينظر إليها كجهة خارجية غير قادرة على فهم أولوياته الحقيقية، بل أحيانًا كطرف منحاز في الصراع.

ولعلّ من المؤسف أن المواطن الليبي، الذي كان يأمل في أن تكون البعثة صوتًا للعدالة ووسيطًا نزيهًا، بات اليوم ينظر إليها بعين الريبة، بل ويحمّلها جزءًا من مسؤولية استمرار الأزمة. هذا التحول في النظرة الشعبية ناتج عن تراكمات طويلة من الإحباط، والوعود غير المنجزة، والمواقف الرمادية التي لم تُنصف الضحايا، ولم تُحاسب الجناة، ولم تُحدث أي تغيير ملموس في حياة الناس.

إن استمرار البعثة الأممية في نهجها الحالي قد يؤدي إلى مزيد من الجمود السياسي، ما لم تُراجع أدواتها، وتُعيد بناء ثقتها مع الشعب الليبي، وتُوسّع دائرة الحوار لتشمل كل الفاعلين الحقيقيين، بما في ذلك الشباب، والنساء، والمجتمع المدني، والخبراء المحليون. كما أن المجتمع الدولي مطالب بإعادة النظر في طريقة دعمه للبعثة، بحيث يكون دعمًا مشروطًا بآليات تنفيذ واضحة، وتوافق دولي فعلي، وإرادة ليبية حقيقية.

إن تقييم دور البعثة الأممية في ليبيا يتطلب نظرة نقدية متوازنة، تُراعي السياق المحلي والدولي، وتُحمّل المسؤولية للأطراف الليبية والدولية على حدّ سواء. فالدعم الدولي وحده لا يكفي، ما لم يُقابل بإرادة سياسية ليبية حقيقية، وآليات تنفيذية واضحة، ومساءلة شفافة. مستقبل البعثة مرهون بقدرتها على التحول من مجرد وسيط سياسي إلى شريك فعلي في بناء الدولة، وفق معايير علمية ومهنية، تستند إلى فهم عميق للواقع الليبي، وتُراعي تعقيداته وتحدياته.

وبصفتي متابعًا للشأن الليبي، لا أكتب هذا المقال من برج عاجي، بل من واقع يومي يعيشه المواطن الليبي، الذي بات يطمح إلى دولة تحترم كرامته، وتؤمن له الأمن والعدالة، وتُخرجه من دوامة الفوضى. إن البعثة الأممية، إن أرادت أن تستعيد دورها، فعليها أن تبدأ من هنا: من الناس، من الشارع، من الحقيقة التي تُسمع في أزقة طرابلس وبنغازي وسبها والبيضاء.

زر الذهاب إلى الأعلى