مقالات الرأي

الوعي في زمن العولمة

بقلم/ المهدي الفهري

منذ سقوط جدار برلين وانقضاء حقبة الحرب الباردة، دخل العالم مرحلة جديدة تقودها العولمة بقطبها الأوحد لتفرض على العالم نظامًا جديدًا لا يعترف بالحدود ولا بالثوابت، وتتحكم فيه خيوط الشبكة العنكبوتية وفق فضاء واسع تلاشت فيه الروابط الاجتماعية والأسرية، ودفعت به نحو عزلة رقمية تُضعف من روح الجماعة وتُفرط في دعم الحريات الفردية على حساب غيرها من القيم، فيما راحت آليات العقل الصناعي تعمل على تحويل الإنسان إلى آلة وإلى رقم في منظومة ضخمة بلا روح، ما أحدث شرخًا عميقًا في بنية المجتمعات، ولا سيما تلك التي ما زالت في طور النمو، حيث ارتهنت رايتها للنموذج الغربي الجديد، وأصبح مصيرها يُرسم خارج حدودها الجغرافية، وتراجعت القيم أمام طغيان المصلحة، وغابت الأخلاق تحت شعارات الحداثة والانفتاح، وصارت الثقافة العالمية تخطط أخلاقيًا وتاريخيًا ضمن دوائر نفوذ كبرى، تحولت فيها المبادئ إلى شعارات عابرة وأدوات لتشتيت الوعي الجمعي وفقدان المجتمعات لملامحها الخاصة بها أمام زحف النمط الليبرالي الموحد، الذي أصبغ فوضاه على العالم، وأفاض الكأس لما شهدته البشرية من تراجع أخلاقي وإنساني، أظهر معه الحاجة المُلحة إلى بناء مجتمع واعٍ عصيًّ على الاختراق، ومحصن ضد الذوبان في التيار، وقائم على الوعي القيمي باعتباره السد الحقيقي في وجه قوى الهيمنة التي تتغذى من الفراغ الروحي والانقسام الثقافي، وهذا ما يدعونا في كل مرة إلى البحث عن السبل الكفيلة بتحصين الجيل الجديد وغرس روح الانتماء في وجدانه ليبقى متشبثًا بوطنه وفيًا لروح المكان والزمان.

إن المنهج المعرفي الغربي بطبيعته المادية الصارمة يرفض أي مصدر للمعرفة خارج حدود التجربة الحسية والملاحظة العلمية، وهو ما جعل حضارته تميل إلى التجريد المادي وتغفل البعد الأخلاقي، ولعل أخطر ما استغلته هو الانفلات القيمي، إذ اجتاحت العالم موجة من الفساد الممنهج حولت الأخلاق إلى سلعة والمبادئ إلى موضة، وغاب البعد الإنساني عن تفاصيل الحياة اليومية، وفقد الشباب بوصلتهم بين الإفراط والانغلاق، وانزلق كثير منهم إلى حافة الانعزال والانحراف والتطرف والاستقالة الاجتماعية والجماعية من الحياة بعد ما فقدوا المعنى الذي يمنحهم الأمل في العيش الكريم، وهكذا تهاوت القيم الروحية التي كانت تفتح أمام الإنسان نوافذ الرجاء وتخفف عن كاهله ثقل ووطأة حضارة القطب الواحد.

إن للأخلاق دورًا جوهريًا في تحقيق سعادة البشر، فهي التي تصوغ البيان الاجتماعي والحضاري للإنسان، وتمنحه المبررات الغيبية التي تحفظ الاتزان بين حركة المجتمع وهاجس المادة، وهي ليست مجرد منظومة من الأسس السلوكية، بل هي انعكاس لعمق الوعي الإنساني، وهي جوهرة الحضارة ومحرك التاريخ، ورابطة تربط الذات بذاتها وبالآخر وبالإنسانية جمعاء، وفي خضم هذا التسارع التكنولوجي العاصف، لم تعد المخاطر مقتصرة على الإنسان وحده، بل امتدت لتطال آلاف الأنواع من الكائنات النباتية والحيوانية وتهددها بالانقراض، وما صاحبها من تلوث وانخفاض للمسطحات المائية بشكل لافت، كما تشير تقديرات الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة، وذلك كله وضع الإنسانية أمام أزمة عالمية تأثرت بها كل الأمم والشعوب وبسطت آثارها على القرية الكونية برمتها، وعلى مستوى الحضارة بعمومها، وتركت تأرجحًا في الوعي وفقدانًا في القدرة على قراءة التاريخ وتحديد موقفنا في خريطة الوجود الإنساني، فالوعي الحضاري لا يولد اعتباطًا، بل يتكون ويتبلور ويتسع باتساع دوائر اهتمامنا، وبمدى ما نمنح عقولنا وقلوبنا من فسحة للتأمل واستعدادًا للفهم، في عصر أمست فيه المعرفة هي الشكل الأرقى للسيادة والكرامة معًا، وأصبح الوعي هو آخر أشكال المقاومة أمام ضجيج العولمة وصمت الضمير الإنساني.

زر الذهاب إلى الأعلى