مقالات الرأي

الطريق إلى الدولة الوطنية الليبية… بين الفوضى والبعثة الأممية

بقلم/ عبد الله ميلاد المقري

تعيش ليبيا اليوم لحظة سياسية حرجة تتأرجح بين مشروع الدولة الوطنية المنشودة ومشروع الفوضى الذي تمد جذوره في واقع مثقل بالانقسامات والصراعات والمصالح الضيقة.

فمنذ أكثر من عقد، ما تزال السلطة في البلاد حبيسة أيدي قلة تمسكت بالمناصب واستثمرت في الانقسام، بينما ظل الشعب الليبي متعطشًا لدولة ديمقراطية عادلة تحترم إرادته وتستجيب لطموحاته في الأمن والاستقرار والكرامة.لقد أفرزت السنوات الماضية واقعًا سياسيًا مأزومًا تجرد من روح الدولة الحديثة، وأعاد المجتمع إلى منطق الجهوية والتغالب بدل منطق المواطنة والقانون.

فأجسام سياسية فقدت شرعيتها الوطنية والأخلاقية لا تزال تتشبث بالمشهد، رغم أنها لم تُنتج سوى مزيد من الأزمات والفساد، في وقت بات فيه الليبيون يدركون أن استمرار هذه الأجسام هو استمرار للعبث وتعطيل لبناء الدولة.ومن هذا المنطلق، فإن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تتحمل مسؤولية كبيرة في دعم خارطة طريق جديدة تنبع من الإرادة الوطنية الليبية، لا من الصفقات الخارجية أو الترتيبات المؤقتة التي لا تفضي إلا إلى تجديد الأزمة. هذه الخارطة يجب أن تضع في جوهرها ضرورة تمكين الليبيين من اختيار سلطتهم عبر صناديق الاقتراع، وفق نظام سياسي متوازن يجمع بين الرئاسة والبرلمان، ويضمن التداول السلمي على السلطة بعيدًا عن أي هيمنة جهوية أو تدخل خارجي.

إن الحل الحقيقي لا يقوم إلا على إعادة بناء المؤسسات الوطنية وتوحيدها تحت سلطة شرعية واحدة. فتوحيد الجيش والمؤسسات السيادية والاقتصادية هو المدخل الضروري لاستعادة هيبة الدولة ووحدتها، ولا يجوز أن تظل هذه المؤسسات رهينة لأطراف تتقاسم النفوذ على حساب مصلحة الوطن. المجتمع الدولي، الذي كان سببًا رئيسيًا في الفوضى الراهنة، مطالب بتحمل مسؤوليته الأخلاقية والسياسية والوقوف إلى جانب إرادة الليبيين في بناء دولتهم، لا إلى جانب الأطراف التي تعرقل مسار الاستقرار.ويرفض الليبيون اليوم بوعي متنامٍ العودة إلى الممارسات الإقصائية أو سياسة التسلط التي عانت منها البلاد طويلًا. فالثقافة السياسية الجديدة التي تتشكل في وعي الأجيال الليبية تقوم على الحوار والتسامح واحترام حق الاختلاف، وعلى الإيمان بأن صناديق الاقتراع هي الطريق الوحيد لتداول السلطة.

إن بناء ليبيا الجديدة يتطلب تجاوز منطق المغالبة، والانفتاح على مشروع وطني جامع يضمن مشاركة الجميع دون تهميش أو إقصاء.ولعل الانطلاق نحو مؤتمر وطني تأسيسي يمثل الخطوة الأهم في هذا الاتجاه، مؤتمر يجمع شخصيات وطنية نزيهة وكفؤة تضع أسس مرحلة سياسية مؤقتة محددة المهام والمدة، تشرف خلالها على الانتخابات العامة تحت إشراف مفوضية وطنية مستقلة تلتزم بالمعايير الدولية، وتضمن نزاهة النتائج وشفافيتها. فالمطلوب اليوم ليس حوارًا جديدًا من دون نتائج، بل فعلًا سياسيًا مؤسسيًا يؤسس لنهاية فعلية للمراحل الانتقالية وولادة الدولة الليبية الحديثة.

إن الطريق إلى الدولة الوطنية الليبية لن يُعبد إلا بإرادة الليبيين أنفسهم، وبوعيهم بأن خلاصهم لن يأتي من الخارج، بل من وحدة صفهم وإصرارهم على بناء وطن يجمعهم تحت راية واحدة. فليكن هذا هو نداء المرحلة: الوطن أولًا، والدولة فوق الجميع.

زر الذهاب إلى الأعلى