الرئيسيةمقالات الرأي

رذيلة الابتزاز من رذيلة السلطة

بقلم/ عفاف الفرجاني

الانحطاط الأخلاقي على منصات التواصل ليس ظاهرة معنوية فحسب، بل صناعة إجرامية قائمة على قرصنة الخصوصية، وصناعة أدلة مفبركة، وتهديدات منظّمة بغرض ابتزاز المال أو المنافع أو تصفية حسابات سياسية وشخصية. ليبيا صاغت إطارا تشريعيا لمواجهة هذا المسار: قانون مكافحة الجرائم الإلكترونية رقم (5) لسنة 2022 وضع نصوصا واضحة تجرم الدخول غير المشروع، والتلاعب بالبيانات، ونشر محتوى يثير الفتنة ويستهدف الأشخاص والمؤسسات.

 لنتفق جميعا أنْ لا تهاون في القول إن ثمة شريحة من المسؤولين مارست سلوكًا رذيلًا أو اتهامات أخلاقية تستدعي المساءلة الجنائية، هؤلاء ليسوا ضحايا، بل هم عناصر تسهم هشاشة مواقعهم في تحويلهم إلى لقمة سائغة في يد المبتزين، وقبل أن نندد بآفة الابتزاز الرقمي علينا أن نطبّق القانون عليهم كما نطبقه على أي مواطن.

الأرقام في نصوص التشريع ليست مجاملة أدبية، بل ردعًا إجرائيًّا.

مواد تقضي بنسبة عقوبات حبسية وغرامات مالية لمرتكبي الاعتداء على الأنظمة المعلوماتية، ولمن ينشر محتوى يقصد به الإضرار بالأشخاص أو إثارة الانشقاق، مع حدود دنيا للعقوبة قد تصل إلى سنة حبس وغرامات مالية واضحة في حالات الإضرار المادي والمعنوي. كذلك تتضمن مواثيق قانون العقوبات نصوصًا تقليدية تعاقب التشهير والقدح والذم بعقوبات قد تصل إلى السجن لمدد تتفاوت بحسب خطورة الفعل ودرجة العلانية.

لكن النصوص على الورق لا تساوي شيئًا أمام واقع سياسي وأمني مفكك والانقسام المؤسسي. وضعف قدرات التحقيق الرقمي، وتردد الأجهزة في مساءلة ذوي النفوذ يحول القوانين إلى غلاف شكلي لا يردع، والمبتزون يستثمرون هذه الفراغات لتفعيل سوق الخزي والضغط، بينما الضحايا ناشطين ومسؤولين ومواطنين يجدون أن المسار القضائي بطيء أو معطَّل.

الاستجابة الشعبية تتطلب تطبيقا فوريا ومساويا للعقوبات على كل من ارتكب فعلًا مشينًا، سواء أكان مبتزًا أم مسؤولًا متهاونًا، أيضًا تأسيس وحدات فنية متخصصة في التحقيق الرقمي مجهزة بقضاة مدربين وتقنيات تعقب المصادر العابرة للحدود بالإضافة لحماية سرية للضحايا والشهود وإجراءات عاجلة لحجب المحتوى المسيء والالتزام بتعاون دولي فعال.

في النهاية، القضية ليست نزاعًا أخلاقيًّا بين فئات المجتمع وإنما اختبارًا لا مكانة الدولة في استرداد كرامة الحياة العامة: إذا بقي القانون حبرا على ورق فإن الفضاء الرقمي سيستمر محرقة لسمعة الأفراد ووقودًا للفوضى السياسية والأمنية. المساواة أمام القانون هي الشرط الأول لوقف منظومة الابتزاز وإعادة شرف الجمهور إلى الفضاء العام.

زر الذهاب إلى الأعلى