ليبيون في المهجر.. منصات بلا عناوين!

بقلم/ مصطفى الزائدي
يخوض عدد من المهاجرين العرب والمسلمين والأفارقة معارك سياسية مهمة وقاسية في الدول الغربية، وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، من أجل الدخول إلى دوائر السلطة، والتأثير في اتخاذ القرار لمصلحة المهاجرين وخدماتهم، ولمصلحة بلدانهم الأصلية.
هذه الأيام يسيطر على المشهد الإعلامي والسياسي في أمريكا ترشّح المسلم الهندي زهران مامداني لمنصب عمدة نيويورك في الانتخابات التي ستجري غدًا الثلاثاء، وما يحيط بحملته الانتخابية من دعاية مضادة تقودها الدوائر الصهيونية والرأسمالية لتشويهه، متعرضة لأصوله ودينه وطريقة أكله وشربه، ناهيك عن اتهامه بالتطرف والإرهاب ومعاداة السامية بالنظر إلى موقفه الداعم لفلسطين والرافض لحرب الإبادة في غزة، ورغم ذلك، حقق زهران حضورًا إعلاميًا واجتماعيًا غير مسبوق، رغم صِغَر سنه وجذوره الإثنية والثقافية.
وكان اليمني عامر غالب قد فاز بمنصب عمدة مدينة هاترامك بولاية ميشيغن عام 2021.
أما عمر فتيح، عضو مجلس الشيوخ في ولاية مينيسوتا، فهو مرشح لمنصب عمدة مينيابوليس.
وفي السياق نفسه، تبرز إلهان عمر، الصومالية عضوة الكونغرس، التي أثارت جدلًا واسعًا بمواقفها التقدمية والتحررية، والتي يتناولها ترامب دومًا بالسوء.
وفي لندن، نجح المسلم صادق خان، باكستاني الأصل، في إدارة البلدية بكفاءة كبيرة رغم حملات التشويه التي مارسها الصهاينة والمحافظون المتعصبون، والتي انضم إلى قيادتها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المعروف بسياساته العنصرية.
غير هؤلاء هناك آلاف الشخصيات، وخاصة من الشباب، يخوضون معارك سياسية مشابهة، وخاصة من الصوماليين والإريتريين واليمنيين والفلسطينيين.
هذا الموضوع يدفع إلى طرح تساؤل مهم حول أدوار المهاجرين الليبيين في الغرب، وخاصة أمريكا، الذين أُرسل معظمهم في بعثات دراسية هدفها نقل العلوم والمعرفة إلى بلادهم. لكن بعضهم – ربما نتيجة فشلهم في الدراسة – فضّلوا البقاء في تلك البلدان، قلة منهم نجحوا في إيجاد عمل مكّنهم من حياة مستقرة في الغرب، بينما فضّل آخرون التآمر على بلادهم، وسخّروا أنفسهم لخدمة الدوائر المعادية لإسقاط النظام الوطني ونهب موارد البلاد لمصالحهم الخاصة.
بعد عام 2011، عاد بعضهم، وظنّ الليبيون أنهم أمام كنز من الخبراء والعلماء الذين سيبنون ليبيا كما صوّروها في حملاتهم الدعائية: بروج مشيدة، وحدائق غنّاء، وحياة رغد تشبه حياة الجنة.
لكن زمن الخدعة كان قصيرًا، إذ سرعان ما اكتشف الشعب حقيقتهم، وأنهم مجرد لصوص ومجرمين لا خبرة لهم إلا في السطو والسرقة ونشر الفتن والفساد وتخريب كل ما تقع عليه أيديهم. فنفَرهم الشعب دون استثناء، وأطلق عليهم اسم “دَبْل شَفرة”، بعضهم عاد من حيث أتى، وبعضهم فرّ بما غنم، وقلة ما زالت تمارس العبث من ديار المهجر، تحاول نشر مزيد من الفساد.
النماذج معروفة، لكن بعض رموزهم لا يعرفون للخجل سبيلًا، ويمتلكون وجوهًا قادرة على التلون والبقاء في كل الظروف.
منهم من يدّعي أنه من كبار الخبراء الأمريكيين في مجال النفط والغاز، ويزعم أنه من أصدقاء ترامب أو هيلاري المقربين، وأن الحكمة والخبرة خُلقت لأجلهم، كأمثال بو يصير ومن على شاكلته، الذين لا يغادرون صفحات التواصل الاجتماعي إلا نادرًا، يحدّثون الناس عن ليبيا ومشكلاتها وكأنهم يملكون مفاتيح حلّها.
يتساءل كثير من الليبيين، كيف لمن يدّعي أنه خبير نفطي عالمي وسياسي أمريكي يعمل مع ترامب وهيلاري، أن يجد كل هذا الوقت يقضيه على شبكات التواصل الاجتماعي في تحليل التفاصيل الليبية؟ حتى يخال المرء أنه مجرد منصة إخبارية!
وكذلك الحال مع أبو شاقور الذي قُدّم يومًا على أنه خبير كبير في وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، وأن المركبات الفضائية الأمريكية لا تنطلق إلا بإذنه! فإذا به نكرة هنا وهناك بعد فشله في الوصول إلى منصب رئيس الحكومة في ليبيا.
المسألة لا تتعلق بالأسماء بقدر ما تتعلق بالدور الذي كان ينبغي أن يلعبه المهاجرون الليبيون وسائر المهاجرين العرب والمسلمين في البلدان التي استوطنوها. إذ كان عليهم أن يتسللوا إلى قيادة مؤسسات تلك البلدان وأن يسخروها لخدمة الإنسانية عمومًا وشعوبهم الأصلية خصوصًا.
وهذا ما نجحت فيه جاليات أخرى، فاليهود، الذين يسيطرون على دواليب الحكم والإعلام والمال في أغلب دول العالم، سخّروا نفوذهم لخدمة الكيان الصهيوني. وكذلك الصينيون والكوريون والفيتناميون وغيرهم الذين نقلوا التكنولوجيا إلى بلدانهم حتى أصبحت من أكثر الدول تقدمًا في العالم.
المشكلة تكمن في التربية والأساس الوطني، فهذه الفئة من الليبيين، ارتبطت بسيرة عمالة عبر مراحل التاريخ. آباؤهم وأجدادهم تعاملوا مع الأتراك والطليان، ومنذ قيام ثورة الفاتح التي أسست لنظام وطني تحرري، تحالفوا ضدها مع الغرب حتى أسقطوا النظام عام 2011، واستولوا على السلطة في ليبيا بدعم خارجي، فنشروا الفوضى وعبثوا بالدولة ومواردها.
وبعد أن نجحت القوات المسلحة في استعادة المبادرة وتطهير جزء كبير من ليبيا من الإرهابيين والمجرمين والأجانب، شنّ هؤلاء حربًا دعائية جديدة ضدها.
لو أن الجهود التي يهدرونها في تأجيج الصراع في ليبيا استثمروها في البحث لأنفسهم عن أدوار بنّاءة في البلدان التي يعيشون فيها، لكان ذلك أفضل لهم ولليبيا.
الحقيقة أن المهاجرين يكافحون من أجل التقدّم والتميز، بينما بعض المهاجرين الليبيين يمارسون التسوّل ومهنة التوصيل وبيع الوهم!
