مقالات الرأي

المرأة الفلسطينية.. النصل الذي لا يصدأ

بقلم/ محمد علوش

قضيت ساعات طويلة في مستشفى الشهيد ثابت ثابت بمدينة طولكرم، أتنقّل بين الممرات والوجوه، وأتأمل هذا الكمّ من الوفاء الصامت الذي يملأ المكان.

كان كل وجه يحكي حكاية، وكل نظرة تختزن فصولًا من الصبر والفقد والكرامة، وهناك، بين أروقة المستشفى، شعرت أنني أعيش بين صفحات كتاب حيّ عنوانه (فلسطين)، كتبت كلماته بدماء الشهداء، وسطوره بأنين الأمهات وثبات النساء اللاتي لا يعرفن الانكسار.

كنت أسمع منذ زمن بعيد تلك المقولة الغريبة: «المرأة تكاد تلد أباها أو أخاها»، ولم أكن أدرك عمقها حتى رأيت بعيني نساء فلسطين يلدن البطولة من أرحامهن، ويمشين في دروب الصبر كأنهن سلالات من نورٍ لا يخبو.

رأيتهن يحملن في أعناقهن صور من رحلوا؛ زوج، أو ابن، أو شقيق، أو أب استشهد دفاعًا عن الحلم الفلسطيني، وكأن تلك القلائد الصغيرة التي تتدلى على صدورهن هي الأوسمة الحقيقية للوطن.

في قسم الطوارئ، كانت امرأة تمسك يد طفلها الجريح، وعلى كتفها صورة ابنها الشهيد، لم تقل شيئًا، لكن وجهها قال الكثير: قال إن الفقد صار عادة، وإن القوة صارت طبيعة، وإن فلسطين لا تزال تنبض في عروق الأمهات.

وفي الزاوية الأخرى، امرأة تهمس بدعاء وهي تنظر إلى السماء، وكأنها تكتب وصية الغد لأبنائها بأن يبقوا على العهد.

المرأة الفلسطينية لا تكسر، قد تنحني قليلًا تحت ثقل الفقد، لكنها سرعان ما تنتصب مثل زيتونة تعرف أن جذورها في الأرض أعمق من جراحها، رأيتها في المخيم والقرية والمدينة، في الميدان والمشفى والمدرسة، تمسك الحياة بيد، وتحمل ذاكرة الشهداء باليد الأخرى، وتبتسم لتقنع أطفالها أن الشمس ما زالت تشرق، وأن القادم، مهما طال، قادم.

هي أم الشهيد التي تضع الكوفية على كتفيها وتستقبل جثمان ابنها بالزغاريد، لا لأن الموت سهل، بل لأن الكرامة عندها أعلى من الدموع، وهي الأخت التي تحفر على جدار القلب اسم شقيقها وتواصل طريقه، لا تلين ولا تملّ، وهي الزوجة التي تغزل من الانتظار شالًا دافئًا للوطن، وتربّي أبناءها على الحلم والحق والصمود.

ما أدهشني دومًا في المرأة الفلسطينية أنها لا تقف عند حدود الحزن، بل تتجاوزها إلى ما يشبه الأسطورة، إنها تصوغ من الفقد معنى للولادة، ومن الوجع قصيدة للمستقبل، فكل بيت فيه أمّ شهيد، هو مدرسة وطنية تعلّم أبناءها أن الأرض لا تستعاد بالأسى، بل بالثبات والعمل والإيمان.

حين تنظر في عيونهن ترى الوطن، لا شعارًا ولا خريطة، بل نبضًا حيًا، ووجعًا جميلًا يضيء الطريق، وأولئك النساء اللاتي يحملن صور أحبائهن على صدورهن لا يحيين الماضي، بل يعلنّ استمرار الحياة، وكل صورة على صدر امرأة فلسطينية هي وعدٌ جديد، بأن الشهداء لا يُغيبون، بل يتحولون إلى جذور تُنبت رجالًا ونساءً أشدّ صلابة.

إنها فلسطين التي تولد من رحم نسائها في كل يوم، فكل أمّ تقبّل جبين شهيدها، إنما تقبّل جبين الوطن، وكل فتاة ترفع صورة أبيها على صدرها، إنما ترفع فلسطين كلّها على قلبها، وهكذا تظلّ المرأة الفلسطينية، الثابتة كجبل الكرمل، الصامدة كغيمة فوق غزة، تمشي في دروب النار ولا تحترق، هي النصل الذي لا يصدأ، والنبع الذي لا يجف، والذاكرة التي لا تنسى، وهي الحكاية التي كلّما ظنّوا أنهم أتمّوها.. تبدأ من جديد.

زر الذهاب إلى الأعلى