مقالات الرأي

غزة مرآتنا التي نرفض النظر فيها

بقلم/ فرج بوخروبة 

في اللحظات التاريخية الفاصلة، تتحوّل الأحداث الكبرى إلى فوازير وجودية تطرح الأسئلة الصعبة على الأمم. ليست غزة، في عدوانها المستدام وصمودها الأسطوري، مجرد جغرافيا محاصرة، بل هي مُختبر فِعل وفلسفة لعمق الشتات الذي ألمّ بالمنظومة العربية. لقد نصبت المقاومة، رغم أوجاعها، مرآة قاسية الملامح، عكست على سطحها المعتم صورًا لانكساراتنا السياسية والسيادية، وكشفت هشاشة الكيانات التي طالما ادّعت الاكتفاء الذاتي. إننا، كليبيين وعرب، نجد أنفسنا مُجبرين على تأمّل هذا الانعكاس المؤلم، نرفض النظر فيه ليس خشية من قسوة المشهد، بل خوفًا من اعتراف موجع بأن حالنا في الداخل، بكل ما فيه من انقسام سياسي وشحّ في الخدمات وتهديد للسيادة الوطنية، هو في جوهره امتداد لغياب الإرادة القومية الجامعة.

إن الأزمة الليبية، بملفاتها الشائكة حول النفط والميليشيات والتدخلات الأجنبية، لا يمكن فصلها عن سياق التفكك الإقليمي. كيف لنا أن نطالب بسيادة كاملة على ثرواتنا وقرارنا، بينما يتهاوى مفهوم السيادة القومية في قلب العروبة؟ هذا التناقض هو جوهر المأساة. حينما يغيب الدور العربي الفاعل والقوي، تُصبح الساحة الليبية فضاءً مستباحًا تتنافس فيه الأجندات الإقليمية والدولية. إن قوة أي دولة تُستمد، بالضرورة، من عمقها الاستراتيجي، وحين يُصاب هذا العمق بالشلل أو الخذلان، تترنح الكيانات المنفردة وتتحول الثروات الوطنية، كالنفط الليبي، من رافعة سيادية إلى مجرد ورقة تفاوض يُتحكّم فيها من خارج الحدود. غزة، إذن، تصرخ بأننا جميعًا نقف على أرضية واحدة إما سيادة وقرار، أو تبعية وفوضى تبتلع الجميع.

لقد نجح العدوان، بكل وحشيته، في كشف وهم “الاستقرار الانفرادي”. لم يعد ممكنًا لأي عاصمة عربية أن تزعم حماية مصالحها بمعزل عن مصير القضايا القومية الكبرى. إن التحديات التي تواجه ليبيا اليوم من ضعف البنية الخدمية والاجتماعية، إلى تفاقم أزمة الميليشيات المسلحة التي تهدد المؤسسات، وصولًا إلى استشراء الفساد في زوايا الدعم الحكومي هي أعراض لفشلنا في تأسيس مشروع قومي عصري وواقعي، يختلف عن شعارات الماضي، ولكنه لا يتنكر لثوابته.

لقد أفضى تفكك الإرادة العربية إلى تحويل الثروة الليبية، من نفط وسيولة، من ورقة قوة إقليمية إلى ورقة مساومة هزيلة بين القوى المتصارعة. وعندما ننظر في المرآة الغزاوية، نرى بوضوح أن ضعفنا الداخلي يُترجم إلى صمت مطبق في المحافل الدولية. هذا الصمت ليس خيارًا دبلوماسيًا، بل هو ثمن التنازل عن مفهوم الدولة الجامعة. في ليبيا، استبدلنا الحوار الوطني الشامل بـ”مفاوضات” تُدار تحت ضغط القوى الخارجية، وبحثنا عن “حلول” للكهرباء والسيولة بمعزل عن استعادة القرار السيادي المُنتهك. وهنا يكمن الدرس الأقسى: لا يمكن للدولة أن تستعيد هيبتها وتخدم مواطنيها بصدق، وهي تشاهد عمقها القومي يُباد، دون أن تحرك ساكنًا يتجاوز حدود التنديد الشكلي.

إن الصمود الأسطوري في غزة، هو في حقيقته، تذكير مُلزم لنا كليبيين بضرورة استعادة روح المقاومة الداخلية ضد كل أشكال التبعية. لقد كان الليبيون تاريخيًا في صدارة الحركات التحررية، ومن المؤسف أن يتحول دورنا اليوم إلى مجرد تَبَعية سياسية أو اقتصادية لأجندات لا تخدم مصالح الوطن العليا. المرآة تعكس أن تهميش القضية الأم وتغليب المصالح الضيقة، قد أدى إلى إغراقنا في مستنقع الأزمات، وتحوّل الثروة الوطنية إلى لُعبة بين القوى المتناحرة. 

يجب أن نعترف بأن مفهوم “السيادة الليبية” بات اليوم مُتقاسمًا بين اللاعبين المحليين المدعومين من الخارج، وبين القوى الأجنبية التي تتخذ من الفوضى ذريعة لوجودها العسكري والاستخباري. هذا التشرذم في مفهوم الدولة هو الوجه الآخر للتشرذم القومي الذي سمح بتزايد الأطماع الإقليمية والدولية في المنطقة، بدءًا من العدوان على اليمن وصولًا إلى الأزمة في السودان، وليس انتهاءً بتثبيت موطئ قدم للقواعد الأجنبية على التراب الليبي. إن غزة تُلزمنا بالصحوة إذا كنا عاجزين عن حماية القضايا القومية، فمن سيهتم بحماية جودة التعليم أو صحة الشباب أو عدالة القضاء في ليبيا؟

إن مقولة “غزة مرآتنا التي نرفض النظر فيها” ليست عبارة للرثاء أو جلد الذات، بل هي دعوة لإعادة ترتيب الأولويات والالتزام بمسؤولية تاريخية. يجب أن نُدرك أن بناء دولة ليبية قوية ومستقرة، قادرة على تلبية حاجات مواطنيها وحماية ثرواتهم، يمر حتمًا عبر بوابة استعادة الوعي القومي المفقود. هذه الاستعادة تعني رفض لغة التناحر الداخلي، والعمل بجدية لإزاحة شبح التدخلات الأجنبية، وتحويل النفط الليبي من لعنة صراع إلى أداة بناء وطني. لنجعل من صمود غزة دافعًا لنا، ليس للإشادة وحسب، بل لـإعادة بناء ذاتنا الليبية على أسس من العدل والسيادة والموقف القومي الواضح. لنعد إلى الدولة الموحدة التي يحترم عقلها القارئ ويُسائل واقعها ويُدرك أن الكرامة الوطنية والعيش الكريم لا يمكن أن يتجزأ عن الكرامة القومية، هذه هي رسالة المرآة؛ فلنتحمل مسؤولية النظر فيها والعمل بمقتضاها.

زر الذهاب إلى الأعلى