فنزويلا.. من الواجهة الاقتصادية إلى ساحة المواجهة الجيوسياسية في أمريكا اللاتينية

إعداد- جمال الجازوي
كانت فنزويلا وما زالت دولة محورية في نطاق بلدان أمريكا اللاتينية والكاريبي. ولمَ لا؟ وهي أرض المحرر “سيمون بوليفار” مؤسس أغلب بلدان أمريكا اللاتينية ومحررها من الاستعمار الإسباني.. هذا بالإضافة الى موقعها الاستراتيجي على البحر الكاريبي وما تذخر به من حضارة الشعوب الأصلية بالإضافة الى ما يعج به باطن أرضها من مخزون نفطي وغازي جعلها في صدارة الدول المنتجة والمصدرة للطاقة في العالم.. وظلت هكذا في الواجهة ردحا من الزمن.
ولما كانت الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر أن أمريكا اللاتينية هي الحديقة الخلفية للبيت الأبيض وفقا لـ”عقيدة مونرو” فلم تكن فنزويلا بعيدة عن الأطماع الاستعمارية الأمريكية، خصوصا أن هذه الأخيرة لها سجل حافل من التدخلات العسكرية الدامية وتغيير أنظمة الحكم كما حدث في تشيلي وبنما وغرينادا جواتيمالا، الدومنيكان وهاييتي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي.. لذا لم تكن فنزويلا بعيدة عن هذا المسلسل من الأطماع، بداية من أولى محاولاتها للإطاحة بنظام تشافيز في 12 أبريل 2002. غير أن الشعب التف حول الرئيس وأعاده في نفس اليوم.
ومنها أصبح التيار البوليفاري التحرري بزعامة الرئيس الراحل هوغو تشافيز يشكل هاجسا ويسعر نذر المواجهة.
فبعد أن كانت أمريكا ترى في فنزويلا مصدر إمداد للطاقة قريبًا ورخيصا ومضمونا مقارنة بمصادر أخرى في العالم قد يستغرق وصول وارداتها منه أكثر من شهرين، أصبحت تتوجس من وصول تيار الثورة إلى السلطة وثارت أمريكا واستشاطت غضبا مما اعتبرته تهديدا لهيمنتها على “حديقتها الخلفية”.
مسلسل العقوبات
والآن وبعد مرور 10 سنوات على قرارات أوباما بفرض حظر على فنزويلا واتخاذ أكثر من 1042 إجراء عقابيا اقتصاديا وسياسيا وعسكريا ضد هذا البلد، خلفت هذه الإجراءات آثارا وخيمة ناهيك عن الحصار الجائر الذي أضر بحياة المواطن والاقتصاد والمجتمع الفنزويلي نذكر منها:
1. تجميد أكثر من 20 مليار دولار في عدة مصارف أمريكية.
2. انهيار الدخل من العملة الصعبة بنسبة 99%. فبدلا من دخل وصل إلى 40 مليار دولار في 2014 نجده ينقص عن 733 مليونا في عام 2020.
3. نتيجة العقوبات انهار الإنتاج النفطي بنسبة تصل إلى 85% وبخسائر بلغت 235 مليار دولار.
هذا بالإضافة إلى تراجع المستوى المعيشي والصحي والخدمي في المجتمع الفنزويلي إلى مستويات غير مسبوقة.
وبين هذا وذاك اعتمدت الإدارة الأمريكية من بين آلياتها في تنفيذ عقوباتها على مجموعة من المرتزقة الخونة من المواطنين الفنزويليين المقيمين بأمريكا وسخرت آلتها الإعلامية الحادة لإثارة البلبلة واتخذت منهم أبواقا للإطاحة بنظام الحكم في فترة هوغو تشافيز، لكنها لم تفلح. كما أوعزت لمخابراتها CIA بتنفيذ عمليات سرية داخل فنزويلا لتأليب الرأي العام ضد النظام، وباءت جميعها بالفشل، وذلك مرده لالتفاف الشعب حول قيادته وصموده خلف رئيسه.
غير أنه وبعد رحيل تشافيز توهمت الإدارة الأمريكية أن بمقدورها الإطاحة بخليفته مادورو. لذا أعادت تهديداتها وتدخلاتها ضد نظام مادورو حيث بلغت ذروتها ووصلت إلى تنصيب رئيس عميل بديلا له غير أنها لم تفلح أيضا بعد أن رفض الشعب الفنزويلي القبول بتنصيب عملاء خارج الصندوق الانتخابي.
في عهد “بايدن” الديمقراطي حاول تدجين النظام الثوري في فنزويلا وإخضاعه للإرادة الأمريكية عن طريق الإغراءات والإغواءات وأحيانا أخرى بالتهديدات لكنه أيضا لم يفلح.
اشتعال المواجهة
ذهب بايدن وجاء “ترامب” لمواصلة مساعيه في الإطاحة بالنظام، وبدأ حملة مسعورة بتلفيق تهم شخصية للرئيس مادورو في الاتجار بالمخدرات وأنه السبب في الخطف والهجرات غير الشرعية وتوريد الأسلحة ودعم الأنظمة المتمردة على أمريكا.. الخ من هذه الاتهامات.
هذا في الوقت الذي نعلم فيه أن ترامب نفسه هو أكبر داعم لتجار المخدرات في المنطقة، وذلك لاستعمالهم في إخضاع وتغيير الأنظمة في بلدان أمريكا اللاتينية والكاريبي.
حاولت الإدارة الأمريكية التدخل عسكريا عدة مرات عن طريق كولومبيا وإثارة الفوضى على حدودها لكن لم تستطع بفضل متانة العلاقات مع النظام الثوري في كولومبيا والرئيس “غوستافو بترو”.. فبدأت التحرش عسكريا في البحر الكاريبي وشنت عدة عمليات عدوانية على مراكب صيد فنزويلية بزعم أنهم تجار مخدرات.
وفي تقرير سري.. كشف الإذن الذي منحته إدارة دونالد ترامب لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) بتنفيذ عمليات سرية في فنزويلا للإطاحة بنظام مادورو من خلال تصرفات قانونية ليس فقط في فنزويلا إنما في كل أمريكا الجنوبية.
ووفقًا لتقارير نشرتها صحيفتا “إستادو دي ساو باولو” و”فالور إيكونوميكو” البرازيليتان فقد أذن ترامب للوكالة الأمريكية بمهام سرية بهدف “إزاحة نيكولاس مادورو من السلطة”، مُعززًا بذلك سياسة التدخل التي اتسم بها الوجود الأمريكي في المنطقة تاريخيًا. وعلى نفس المنوال، تناولت صحيفة “فولها دي ساو باولو” القضية بنفس الإطار – كما لو كان انتهاك سيادة دولة مجاورة عملًا جيوسياسيًا عاديًا.
ووفقا لتقارير صحفية فإن كل هذا للأسف لم يصاحبه تحركات إدانة أو رفض من بعض بلدان الجوار باستثناء كولومبيا والبرازيل لهذه العمليات اللاأخلاقية حول قوة أجنبية تُدبّر أعمال تجسس وزعزعة استقرار سياسي لبلد ذي سيادة في أمريكا اللاتينية.
والرد على أكاذيب الرواية الأمريكية الرسمية، التي تحاول تبرير التدخل تحت ستار “محاربة الديكتاتوريات بتصنيف فنزويلا كـ”نظام استبدادي” دون تحليل أثر الحصار الاقتصادي والعقوبات التي فرضتها واشنطن لتنفيذ مخططها الإجرامي.
بل أن هناك بعض الصحف التي تتماهى مع الخط الاستعماري الذي ينظر إلى أمريكا اللاتينية كساحة خلفية جيوسياسية للبيت الأبيض.
إن استخدام وسائل الإعلام والتشويه والترويج لتدخل وكالة المخابرات المركزية هو أحد أعراض التبعية الرمزية للاستعمار، إذ تُعيد هذه الأبواق الإعلامية المأجورة إنتاج خطاب العدائية والأطماع الإمبريالية وشرعنة استخدام القوة ضد سيادة الدول المستقلة، كما رأينا في بعض الصحف البرازيلية المأجورة…
احتدام المواجهة
أمام الاعتداءات المتكررة تمت التعبئة العامة في الجيش الفنزويلي وإعلان حالة الاستعداد القصوى للمواجهة وردع العدوان دفاعا عن البلاد.
فقد أرسلت أمريكا إلى الكاريبي ثلاث مدمرات هي :USS Gravely, USS Jason Dunham و USS Sampson وكلها مدمرات مجهزة بأكثر الأنظمة الهجومية والدفاعية تقدما في الترسانة الأمريكية.. كما قامت بتحريك حاملة الطائرات الأمريكية USS Gerald R. Ford للعمل في البحر الكاريبي.
هذا بالإضافة إلى ثلاث فرقاطات حربية USSJima و USS San Antonio كذلك الفرقاطة المتطورة USS Lauderdale Fort.. وكل هذه القطع الحربية مستعدة لعمليات برمائية.. بمراقبة وتنسيق مع الغواصة النووية الأمريكية بالكاريبي التي تقوم بعمليات المراقبة والتجسس.. وعدد من الزوارق السريعة.
هذا بالإضافة إلى قوة تدخل عسكرية يقدر تعدادها بـ4500 عسكري تقريبا. وقوة إسناد من 2200 من مشاة البحرية كلهم على استعداد للتدخل العدواني الفوري.
أما عن القوة الجوية فقد أرسلت أمريكا أكثر من طائرة للإنذار المبكر وطائرات الدعم الإلكتروني وعدد اثنين من القاذفات بالإضافة إلى 5 طائرات F 35 تجوب الأجواء وتهدد السواحل الفنزويلية وتحاصر وتستهدف الصيادين..
واستمر مخطط التآمر بين دوائر الاستعمار بإسناد جائزة “نوبل للسلام” لهذا العام 2025 للمعارضة الفنزويلية اليمنية ماريا ماتشادو María Machado وهي سيدة معروفة بارتباطها بدوائر استعمارية غربية مرتبطة بالولايات المتحدة وCÍA ولو أن الرئيس ترامب لم يرق له منح الجائزة لهذه السيدة التي يتوق إليها هو شخصيا غير أنه لم يمانع ما دام هذا يفيد المخطط الاستعماري ضد فنزويلا، واستخدام هذه السيدة بوقاَ وفزّاعة دعائية ضمن التمهيد للتدخل العسكري المباشر.
إذن الوضع خطير ويهدد بالاشتعال والتدخل المباشر في بلد ذو سيادة.
خيارات فنزويلا أمام الأزمة
أمام هذا الوضع المشتعل انتهجت فنزويلا لغة الحوار والدبلوماسية والميل إلى التفاوض تفاديا للغة الحرب.. غير أن الإدارة الأمريكية تجاهلت كل دعوات ومبادرات الرئيس مادورو للحوار ماضية في تهديداتها وشعاراتها بإحلال “السلام والديمقراطية” في هذا البلد.
وقد ألقى مادورو خطابًا يوم الأربعاء (15 أكتوبر) دفاعًا عن السلام في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، ردًا على تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أكد فيه أنه سمح لوكالة المخابرات المركزية (CIA) بإجراء عمليات سرية في فنزويلا.
وفي بيان له أمام لجنة السيادة الوطنية في الجمعية الوطنية الفنزويلية اتهم مادورو واشنطن بتشجيع “الانقلابات التي تُدبّرها وكالة المخابرات المركزية”، وأشار إلى حالات اختفاء قسري خلال الأنظمة الديكتاتورية التي تدعمها الحكومات الأمريكية.
وصرح الرئيس الفنزويلي قائلًا: “لا للانقلابات التي تقودها وكالة المخابرات المركزية، والتي تُذكّرنا باختفاء 30 ألف شخص على يد وكالة المخابرات المركزية في الانقلابات ضد الأرجنتين وتشيلي وبنما وبقية بلدان القارة وتساءل:
إلى متى ستستمر انقلابات وكالة المخابرات المركزية؟ أمريكا اللاتينية لا تريدها، ولا تحتاجها، وترفضها.
كما انتقد الرئيس مادورو التهديدات الأمريكية واصفا إياها بالعنصرية واستطرد قائلا:
بأنها “إنكار للجوهر الإنساني”، متجاهلةً قيمًا كالحوار والوئام والمجتمع والاحترام والتنوع.
وقال:”علينا أن نتذكر أن البشرية، من جذورها ومسارها وتاريخها، كانت دائمًا متنوعة. لم تكن لها لغة واحدة، ولا طريقة تفكير واحدة، ولا ثقافة واحدة، ولا نظام سياسي واحد. لم تكن يومًا تحت أي إمبراطورية في الماضي. لذا، إذا كانت الإمبراطورية الأمريكية، بأيديولوجيتها العنصرية والنازية، تعتقد أنها ستوحدنا جميعًا بأسلوب تفكير واحد، وفي نظام واحد، وتحت قيادة واحدة، فهي عفى عليها الزمن، عفى عليها الزمن”. “لا لانقلابات وكالة المخابرات المركزية الأمريكية”.
بالإضافة إلى تأكيده دعوته للسلام الإقليمي، كما رفض مادورو محاولات “تغيير النظام” المُدبّرة من واشنطن، والتي تُذكّر بـ”الحروب الأبدية الفاشلة في أفغانستان والعراق وليبيا وغيرهما”، فضلًا عن قائمة الانقلابات المُريبة التي نفّذتها وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي.
“لا لانقلابات وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، التي تُذكّرنا كثيرًا باختفاء 30 ألف شخص في الانقلابات ضد الأرجنتين، وانقلاب بينوشيه، و5 آلاف شاب قُتلوا واختفوا. إلى متى ستبقى انقلابات وكالة المخابرات المركزية؟ أمريكا اللاتينية لا تريدها، ولا تحتاجها، وتنبذها”. ذرائع (وأهداف) التدخلات الأمريكية في أمريكا اللاتينية مرفوضة، مرفوضة من كل شعوب القارة ومن كل أحرار العالم.
يأتي هذا التصريح في أعقاب تصريح آخر لنظيره الأمريكي، دونالد ترامب، الذي اعترف بأنه سمح لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) بتنفيذ عمليات سرية في الأراضي الفنزويلية، وهو قرار برر به زعمه – “دون تقديم أدلة” – أن فنزويلا “أفرغت سجونها” لإرسال المهاجرين إلى الولايات المتحدة، وأن “كميات كبيرة من المخدرات” تغادر البلاد بحرًا، متجهة إلى الولايات المتحدة.
وخلص رئيس الدولة الفنزويلي إلى القول: “في مواجهة تصاعد الحرب النفسية اليومية، والتهديدات، والأخبار، والتصريحات، ومقاطع الفيديو، والأحداث، فإن القوات الفنزويلية على أهبة الاستعداد للدفاع عن البلاد وأعلن عن امتلاكهم 5000 صاروخ دفاع جوي على أتم الاستعداد لمواجهة الطائرات المعتدية، غير أنه أردف قائلا: هناك إجراء واحد فعال وجب علينا اتخاذه، ألا وهو الوحدة الوطنية لجميع الفنزويليين.
هذ وقد باشرت أمريكا عدوانها في منطقة البحر الكاريبي، وتشن حاليًا عمليات عسكرية وقصفًا في المياه القريبة من الأراضي الفنزويلية بذريعة – دون أساس أو دليل – مكافحة عصابات المخدرات.
وقد وصفت كاراكاس هذه الأعمال بـالعدوان السافر غير المبرر وشككت في السبب الحقيقي للعمليات.
ويؤكد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو أن بلاده ضحية “حرب متعددة الأوجه” تُدبّرها الولايات المتحدة. وأكد مجددًا أن الدولة الفنزويلية تتعرض لعدوان مسلح لفرض نظام سيطرة إمبريالية وقتل ونهب الشعوب.
وما من مخرج أمامها إلا الاستعداد للدفاع عن سيادتها وشعبها ولو أننا لم نفقد الأمل بعد في أحرار العالم بدعم فنزويلا والدفاع عنها والتنديد بمخططات الإمبريالية الهمجية وإدانتها.
