الرئيسيةملفات وتقارير

النظام المصرفي الليبي.. من ملاذ آمن إلى فوضى لا حدود لها



إعداد/ عثمان الدعيكي


يُعد القطاع المصرفي لأي دولة مرآةً دقيقةً تعكس تحولات اقتصادها الوطني، ومسار الدولة بين المركزية والاستقرار من جهة، والانقسام والفوضى من جهة أخرى. فخلال العقود الماضية، عاش القطاع المصرفي في ليبيا مرحلتين متناقضتين: مرحلة ما قبل عام 2011 التي اتسمت بالثقة والانضباط النقدي النسبي، ومرحلة ما بعدها التي طغت عليها الأزمات والسيولة المفقودة وتراجع الثقة المحلية والدولية.
“الموقف الليبي” تسلط الضوء في هذا التقرير على هذا القطاع، تستعرض من خلاله تطور القطاع المصرفي الليبي بين الاستقرار قبل 2011 والفوضى بعدها، محللًا تدهور الثقة والسيولة والانقسام النقدي، ومقدمًا توصيات لإصلاح النظام واستعادة الاستقرار المالي.
منظومة مصرفية منضبطة قبل الكارثة
قبل عام 2011، كانت ليبيا تمتلك نظامًا مصرفيًا مركزيًا متماسكًا، يضبطه مصرف ليبيا المركزي الذي احتكر أدوات السياسة النقدية وأشرف على جميع المصارف الوطنية التي كانت مملوكة للدولة بنسبة تفوق 90%، وتخضع لإشراف إداري ومالي صارم. ورغم محدودية الابتكار المالي، فإن الانضباط المؤسسي وفّر استقرارًا نقديًا انعكس على ثقة المواطنين والمستثمرين في الجهاز المصرفي.
كانت التعاملات النقدية تشكل العمود الفقري للاقتصاد الليبي، إذ اعتمدت أغلب المعاملات التجارية على السيولة الورقية. ومع ذلك، ظلت مستويات التضخم تحت السيطرة بفضل توازن السياسة النقدية مع الإيرادات النفطية، التي وفرت غطاءً دائمًا للعملة المحلية. وتشير بيانات البنك المركزي في تقاريره القديمة إلى أن نسبة القروض إلى إجمالي الأصول البنكية لم تتجاوز 15%، وهو ما عكس توجهًا محافظًا في عمليات الائتمان بهدف حماية السيولة وضمان استقرار السوق.


ثقة داخلية وعلاقات دولية ممتدة ومتينة


على الصعيد الدولي، كانت المصارف الليبية تحظى بسمعة مستقرة وعلاقات متوازنة مع بنوك عالمية مرموقة. وقد سمحت هذه الثقة بتنفيذ عمليات تحويل وتمويل محدودة، ولكن آمنة، في ظل بيئة مصرفية منضبطة ومنسجمة مع المعايير الدولية. وحتى عام 2010، لم تكن ليبيا مدرجة ضمن قوائم المخاطر العالية في القطاع المالي العالمي، بل كانت عضوًا فاعلًا في منظومة التعاون المصرفي العربي والإفريقي.
الثقة المحلية كانت بدورها مرتفعة، فقد أودع المواطنون أموالهم في البنوك بثقة مطلقة، وأصبحت المصارف جزءًا من الحياة اليومية في جميع المدن والقرى والتجمعات السكانية. وبحسب تقارير تلك المرحلة، بلغت قيمة الخصوم الإيداعية في الجهاز المصرفي أكثر من 35 مليار دينار، في وقت كان حجم التداول النقدي متوازنًا مع الناتج المحلي، حيث تشير تقارير قديمة للمصرف المركزي أن حجم التداول في 2010 لم يتجاوز 8 مليارات دينار من إجمالي حجم الكتلة النقدية الذي بلغ في حينه 15 مليار دينار، ما جعل السيولة متاحة دون اختناقات تُذكر.


الانهيار بعد 2011: حين انتشرت الفوضى وعم الفساد
مع اندلاع الأحداث في 2011، دخل القطاع المصرفي الليبي مرحلة من الفوضى غير المسبوقة. انهارت البنية المركزية التي كانت تضبط النظام المالي، وتعددت مراكز القرار النقدي بين الشرق والغرب. وأدى غياب الأمن إلى تعطيل شبكات التحويل والاعتمادات، بينما فقد المواطنون ثقتهم تدريجيًا في قدرة المصارف على حماية أموالهم. ولم تقتصر الأزمة على ضعف الإدارة أو الانقسام المؤسسي، بل امتدت إلى تهديد مباشر لسلامة أموال المودعين، حيث انتشرت عمليات التزوير والتلاعب في الأرصدة المصرفية، وتسريب بيانات العملاء واستخدامها في أعمال ابتزاز وخطف لأصحاب الحسابات الكبيرة لإجبارهم على التنازل عن أرصدتهم. كما شهدت بعض الفروع عمليات اختلاس منظمة، ما عمّق من فقدان الثقة وأضعف صلة المواطن بالمؤسسة المصرفية التي فقدت دورها كملاذ آمن للأموال.
كما أصبحت الاعتمادات المستندية أداةً للتربح والفساد، وانتشرت ما عُرف بـ«الاعتمادات الوهمية» التي أنهكت احتياطيات النقد الأجنبي وأضعفت قيمة الدينار. وفي غياب رقابة فعالة، ظهرت ممارسات مالية غير قانونية، وشبكات تهريب عملة إلى الخارج. كما توقفت أغلب البنوك العالمية عن التعامل مع نظيراتها الليبية بسبب مخاطر غسيل الأموال وعدم الامتثال للمعايير الدولية، وهو ما أدى إلى شبه عزلة مالية دولية للبلاد.
أزمة السيولة: مليارات خارج النظام المصرفي.
فقد المواطنون الثقة في المصارف إلى حدٍّ جعل النقد يُخزَّن في البيوت لا في الحسابات. ووفق تقديرات رسمية لمصرف ليبيا المركزي، بلغ حجم النقد المتداول خارج النظام المصرفي أكثر من 45 مليار دينار في منتصف العقد الماضي، أي نحو نصف الكتلة النقدية في السوق في ذلك الوقت. وأدى هذا السلوك إلى اختناق حاد في السيولة داخل الفروع البنكية، ما اضطر المصارف إلى تقييد عمليات السحب اليومية.
وبالرغم من قيام المصرف المركزي بطباعة كميات كبيرة من العملة الورقية منذ 2015 لتغطية العجز، فإن التضخم ارتفع إلى مستويات تجاوزت 25 % في بعض الفترات، وتراجعت القوة الشرائية للمواطن. كما ساهمت هذه الأزمة في تفاقم السوق الموازية للعملات الأجنبية، وارتفاع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر في السوق السوداء إلى أكثر من الضعف في بعض السنوات.
إجراءات إنقاذ غير مدروسة.. ونتائج محدودة
بدأت محاولات الإنقاذ النقدي متأخرة وبشكل غير مدروس حيث فرض في عام 2018 رسم على بيع العملة الأجنبية بنسبة 183%، وهو ما فسره المراقبون على أنه عملية تحميل المواطن وزر أخطاء الحكومة وممارسات إدارة مصرف ليبيا المركزي، وقد ساعد مؤقتًا في تقليص الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي. واستمرت أزمة السيولة تعصف بحياة المواطن اليومية، الذي ظل يفضل التعامل النقدي المباشر.
خلال عامي 2023 و2024، أطلق مصرف ليبيا المركزي سلسلة من الإصلاحات، من بينها ضخ سيولة تجاوزت 15 مليار دينار في المصارف التجارية، وتشجيع التحول نحو الدفع الإلكتروني لتقليل الاعتماد على النقد الورقي. كما توسعت شبكة نقاط البيع لتصل إلى أكثر من 124 ألف نقطة بحلول 2025، وهو تطور مهم في بيئة نقدية كانت تعتمد بالكامل تقريبًا على التعامل الورقي.
ورغم هذه الخطوات، لا تزال منظومة الائتمان محدودة، إذ لا تتجاوز القروض الإنتاجية نسبة 10% من إجمالي الأصول المصرفية، فيما تظل أغلب الموارد المالية مجمدة في حسابات لدى المصرف المركزي أو موجهة نحو الاعتمادات التجارية قصيرة الأجل.


المؤشرات المالية والأرباح الوهمية
تشير بيانات المصرف المركزي للربع الثالث من عام 2024 إلى أن إجمالي أصول المصارف الليبية بلغ نحو 180 مليار دينار، بزيادة تفوق 24% عن العام السابق، في حين ارتفعت الودائع إلى 78 مليار دينار مقارنة بـ62 مليارًا عام 2023. أما أرباح المصارف فقد وصلت إلى 1.6 مليار دينار، وهو رقم قياسي من حيث القيمة، لكنه لا يعكس تحسنًا حقيقيًا في النشاط المصرفي، لأن جزءًا كبيرًا من هذه الأرباح ناتج عن فروق أسعار الصرف وليس عن توسع فعلي في التمويل والإقراض.
ويشير تقرير صندوق النقد الدولي الصادر في مطلع 2025 إلى أن الاقتصاد الليبي ما زال هشًّا أمام الصدمات السياسية، وأن القطاع المصرفي يعاني من ضعف في الشفافية وتعدد السلطات التنظيمية، ما يعرقل دوره في دعم النمو الاقتصادي الحقيقي.


تعدد السلطات.. وغياب القرار الموحد
يُعدّ الانقسام السياسي والمعاملات المالية المزدوجة بين الحكومتين من أبرز معوقات الإصلاح المالي. إذ يضعف هذا الانقسام من قدرة الدولة على تطبيق سياسة مالية موحدة، وذلك أن الاقتصاد الليبي يعتمد على مصدر واحد لتمويل الميزانية العامة، وأن الإنفاق الحكومي هو العامل المؤثر في حجم الإنفاق الكلي وحركة الاقتصاد، فضلا عن تأثيره المباشر في التضخم ومعدلات أسعار الصرف، ووجود إنفاق مزدوج يؤدي إلى ازدواجية في البيانات والإجراءات. وبالتالي سيكون التأثير كبير على السياسة النقدية وترتيبات المصرف المركزي في تنفيذ هذه السياسة وعمليات تمويله لمتطلبات الإنفاق والتي وصلت للتمويل بالعجز في دولة نفطية سجلت تحقيق وفورات سنوية منذ ما يزيد على خمسة عقود، فكل طرف يتعامل بمعزل عن الآخر، في حين يحتاج الاقتصاد الليبي إلى مركز قرار موحد قادر على ضبط عرض النقد وسعر الصرف والسيولة.
كما أسهمت قرارات متباينة مثل إلغاء سعر الفائدة على القروض والمعاملات المصرفية، وفرض رسوم على بيع العملة الأجنبية، في إرباك السوق وتشجيع المضاربة. وقد نتج عن هذه السياسات تضارب في أهداف السياسة النقدية بين الاستقرار النقدي وتمويل النشاط الاقتصادي، وهو ما انعكس في النهاية على ثقة المواطن والمستثمر على حد سواء.


بوادر تصحيح المسار: نحو حوكمة ومساءلة
رغم الصورة القاتمة، بدأت ملامح الإصلاح في القطاع المصرفي الليبي تتشكل منذ الإدارة السابقة لمصرف ليبيا المركزي، نتيجة للضغوط التي مارستها المؤسسات الدولية الداعمة للاستقرار المالي وشفافية النظام المصرفي. ومنها إطلاق المصرف في ديسمبر الماضي دليلًا لحوكمة القطاع المصرفي، تضمّن قواعد صارمة للشفافية والإفصاح ومكافحة الفساد المالي، كما تم استحداث وحدة مستقلة للامتثال المصرفي تُعنى بمتابعة تطبيق المعايير الدولية لمكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. وتعمل السلطات النقدية حاليًا على إعادة بناء العلاقات مع المصارف الإقليمية والعالمية، في إطار جهود لإعادة إدماج ليبيا في النظام المالي الدولي. كما تتواصل المساعي لتحديث التشريعات، وتوسيع قاعدة الخدمات الرقمية، وتمكين القطاع الخاص من الوصول إلى التمويل الإنتاجي، بما يمهّد لتحول تدريجي نحو بيئة مالية أكثر انضباطًا وشفافية تسهم في استقرار الاقتصاد الوطني.


الطريق إلى التعافي: بين الواقع والطموح


إن إصلاح القطاع المصرفي الليبي لا يمكن أن يتم بمعزل عن الإصلاح الاقتصادي الشامل. فالمطلوب اليوم هو استعادة الثقة أولًا، عبر إجراءات واضحة تعيد للمواطنين الاطمئنان إلى أموالهم، وتضمن للمستثمرين بيئة مالية مستقرة وشفافة. كما أن تطوير البنية التكنولوجية للمصارف وتوسيع الدفع الإلكتروني يمثلان مدخلًا عمليًا لدمج الاقتصاد غير الرسمي في الدورة المالية الرسمية.
أما على الصعيد الدولي، فإن عودة الثقة تتطلب التزامًا حقيقيًا بمعايير الامتثال المالي العالمي، والتعاون مع المؤسسات الدولية، لإعادة فتح قنوات التمويل الخارجي وضمانات الاستثمار.
ورغم أن الطريق لا يزال طويلًا، فإن وجود قيادة نقدية أكثر انفتاحًا على الإصلاح، وتنامي الوعي بضرورة التوحيد المؤسسي، يمثلان بدايةً يمكن البناء عليها لاستعادة التوازن بين الدينار والسيولة، وبين المصارف والمواطن.


الثقة المفقودة هي مفتاح الاستقرار
لقد انتقل القطاع المصرفي الليبي من نموذج الانضباط المركزي والثقة العالية إلى حالة من الانقسام وعدم اليقين. وبينما لا تزال التحديات قائمة، فإن بوادر الإصلاح تُظهر أن الاستقرار المالي ممكن إذا ما توفرت الإرادة السياسية والتقنية لتوحيد القرار المصرفي والابتعاد عن تسييس المصرف المركزي وإعادة بناء منظومة الشفافية والرقابة.
فالمصارف ليست مجرد مؤسسات مالية، بل هي شريان الثقة في جسد الاقتصاد. واستعادة هذه الثقة هي الخطوة الأولى نحو بناء ليبيا مستقرة اقتصاديًا، قادرة على تحويل مواردها من مصدر للأزمات إلى رافعة للتنمية والاستقرار.

زر الذهاب إلى الأعلى