مقالات الرأي

فن المستحيل وإرادة الإنقاذ

بقلم/ محمد بوخروبة

يقال إن السياسة هي فن الممكن، لكن في ليبيا يبدو أن التعريف الأصدق هو، فن إيجاد حل لقضية ليس لها حل ضمن الشروط الحالية، فمنذ أكثر من عقد، يعيش الليبيون في دوامة من الأمل المعلق، تتبدل فيها الوجوه، وتتغير فيها الخطابات، لكن المأساة تبقى هي ذاتها، سياسة تدار بمنطق رد الفعل لا بمنهج الرؤية، وبالولاءات لا بالكفاءات، فصارت البلاد حقل تجارب مفتوحًا لمشاريع التسوية المؤجلة، ومسارح النفوذ الخارجي.

ورغم هذا الواقع المربك، يظل في المشهد الليبي وجهٌ مضيء، عماده القوات المسلحة العربية الليبية، التي حملت على عاتقها مسؤولية الحفاظ على كيان الدولة حين تهاوت مؤسساتها، وأمسكت بخيوط الأمن في زمن الانفلات، تلك المؤسسة لم تكن يومًا طرفًا في الصراع على السلطة بقدر ما كانت صمام أمان الوطن، تتقدم الصفوف في مواجهة الإرهاب، وتحمي حدود البلاد الممتدة، وتعيد بناء ما هدمته الفوضى في مدن الشرق والجنوب وسائر المناطق.

لقد أدركت القوات المسلحة الليبية أن الأمن لا يختزل في فوهة بندقية، بل هو منظومة تشمل حماية الأرواح، وصون الكرامة، وتثبيت هيبة الدولة، فكانت معاركها ضد التطرف ليست حربًا على جماعاتٍ فحسب، بل حربًا من أجل فكرة الوطن ذاته وطن واحد موحد لا تقسمه الأهواء، ولا تبتلعه المصالح، ومع الوقت، تحولت هذه المؤسسة من درع عسكري إلى ذراع إنمائية، تسهم في إعمار المدن والبنى التحتية، وتدفع بعجلة الحياة في المناطق التي أنهكتها الحروب.

وفي الوقت الذي انشغل فيه السياسيون في صراعاتهم الصغيرة، كانت القوات المسلحة تنجز بصمت كبير أعمالًا عظيمة، تؤمن الطرق، وتعيد تشغيل المرافق، وتفتح المدارس والمستشفيات، وتعيد إلى الناس ثقتهم بأن ليبيا قادرة على النهوض مهما طال ليلها، لم يكن هدفها السلطة، بل الاستقرار، ولم يكن شعارها المصلحة، بل الواجب.

إن التناقض الأكبر في ليبيا اليوم هو أن السياسيين يتجادلون حول من يحكم، بينما الجيش يثبت على الأرض معنى الدولة، فالقوة الحقيقية ليست في المناصب ولا في المؤتمرات، بل في القدرة على حماية المواطن، وتوفير بيئة آمنة للحياة والعمل والبناء، وهذا ما أدركته القوات المسلحة مبكرًا، حين جعلت من أولوياتها تأمين الحدود الجنوبية، ومكافحة شبكات التهريب، وملاحقة التنظيمات التي حاولت جعل ليبيا بوابةً للفوضى.

ومع أن المشهد العام ما زال يراوح مكانه، فإن وجود هذه المؤسسة الوطنية القوية يمنح الليبيين شعورًا بالأمان في وسط العاصفة، فكل دولة تنهض حين يمتزج فيها السلاح بالوعي، والقوة بالرحمة، والعزم بالحكمة، وهذه سمات جسدها رجال القوات المسلحة في ساحات القتال وفي ميادين الإعمار معًا.

السياسة في ليبيا كما نراها اليوم، ما زالت حبيسة الشروط المستحيلة، انقسامات جغرافية، مصالح دولية، وتوازنات لا تستقر، لكن التاريخ علمنا أن الأوطان لا تبنى بالشروط، بل بالإرادة، والإرادة الليبية مهما تعثرت ما زالت حية، تتجسد في المخلصين من أبناء الوطن وفي جنود يقفون تحت الشمس لحماية حدود رسمها التاريخ بدماء الأجداد.

إن السياسة بمعناها النبيل هي فن تحويل المستحيل إلى واقع، وهذا ما تحتاجه ليبيا اليوم، عقل سياسي بضمير وطني يتجاوز الحسابات الضيقة، ويصغي لصوت المصلحة العليا، فالوطن لا يحتاج إلى مزيد من الخطب، بل إلى رجال يعملون كما تعمل القوات المسلحة بصمت وانضباط وإيمان بأن البناء ممكن حتى فوق الركام.

ليبيا رغم كل الجراح ليست دولة فاشلة كما يروج البعض، بل دولة جريحة تبحث عن شفاء، في داخلها طاقات بشرية هائلة، ومقدرات اقتصادية قادرة على النهوض من جديد، شرط أن تجد من يضعها في خدمة الشعب لا في خدمة الأجندات، وما وجود مؤسسة عسكرية وطنية متماسكة إلا دليل على أن فكرة الدولة لم تمت، بل تنبض في عروق الوطن كلما حاولت الفوضى أن تخنقه.

إننا اليوم أمام مفترق طرق حاسم، إما أن نعيد تعريف السياسة لتكون فن الإنقاذ لا فن المساومة، أو أن نبقى ندور في حلقة مفرغة من البيانات والمبادرات التي لا تفضي إلا إلى مزيد من التشتت، ولعل الأمل الحقيقي يبدأ حين نستلهم من القوات المسلحة روح الانضباط، ومن تضحياتها معنى الولاء، ومن إخلاص رجالها درسًا في الوطنية الصادقة.

ولعل أبلغ وصف للسياسة الليبية اليوم أنها رحلة بحث عن الحل داخل متاهة بلا مخارج، السياسة كما قال أحد الحكماء هي فن الممكن لكن في ليبيا آن الأوان لأن تكون فن المستحيل الممكن، أي القدرة على كسر شروط العجز، وصنع أفق جديد يليق بوطن يستحق الحياة، بعد كل ما عاشه من ألم.

يمكن القول إن السياسة في ليبيا لن تنجح ما لم تتعلم من الجيش الليبي، أن العمل بصمت أنفع من الضجيج بلا فعل، وأن الأمن هو الركيزة الأولى لكل إصلاح سياسي واقتصادي، وإذا كان فن السياسة هو إيجاد حل لما يبدو مستحيلًا، فإن في ليبيا رجالًا يجعلون المستحيل ممكنًا حين تتوحد الكلمة وتخلص النوايا، رحم الله من ضحى في سبيل الوطن، ووفق الله من يعمل لأجله، وجعل من ليبيا وطنًا آمنًا مزدهرًا يليق بتضحيات أبنائه.

زر الذهاب إلى الأعلى