مقالات الرأي

طرابلس.. شارع الجعانين ووجع المدينة

بقلم/ عبدالله ميلاد المقري 

القادم إلى مدينة طرابلس التي تئن من الوجع وتنبعث منها رائحة الفوضى في الطرقات وتبنى على شوارعها العشوائيات وتحولت مشاريعها إلى أطلال كما هو فندق “ريكسوس” وفنادق كثيرة ومبان لم تعد صالحة لاستكمالها، انزعجتُ عندما مررتُ بالقرب من شارعٍ مزدحمٍ في مدينة طرابلس، ينعته الجميع بـ”شارع الجعانين”، فهل يليق أن تُنعَت طرابلس، المدينة التي عُرفت عبر التاريخ بأنها مدينة الكرم والوداعة والصفاء، بهذا الاسم المؤلم؟ طرابلس التي فتحت بيوتها للوافدين والقادمين حيث كتب عنها المؤرخ الإدريسي في القرن الثاني عشر بأنها مدينة عامرة حسنة البناء كثيرة المياه والبساتين، أما ابن بطوطة فخصها بإعجاب عندما ذكرها بأن “أهلها ذوو ومروءة وكرم يعينون الغريب ويكرمونه”.

طرابلس التي تغنى بها الشعراء وكتب عنها الرحالة بدهشة، كانت عنوانًا للجمال والأنس، ومكانًا يجد فيه الزائر دفء الإنسانية وسحر التاريخ. ورغم ما تمر به اليوم من وجع وإهمال، ستظل طرابلس -كما وصفها أولئك الرحالة- مدينة لا تموت، لأنها خُلقت لتبقى في الذاكرة والوجدان، وقدّمت الطعام قبل السؤال، لم يعرف أهلها الجوع ولا الضيق، إلا في هذا الزمن الذي غابت فيه العدالة، وضاعت فيه القيم. 

اليوم، أصبح المواطن الفقير والعاطل عن العمل يبحث عن لقمة يسدّ بها أرقه وجوعه، بعدما عجز عن استلام مرتبه، وأضحى فريسةً لاستغلال المصارف والشركات المالية التي تنهب من أرصدته نسبًا تُصبّ في إذلاله وإهانته. فما ينطبق على هذه المدينة ينطبق على كل مدن ليبيا التي لم يزرها العمران، ولم تشهد التنمية التي توقفت كليًّا وراحت الأموال تذهب في غير محلها وينخرها الفساد، وللأسف ما تمر فترة زمنية قصيرة حتى تصبح في خضم المعارك والاقتتال، ويزيد ذلك من فزع أطفالها الحالمين بمدينة جميلة تمثل لهم فسحة على بحرها المزدان بالزرقة والهدوء والسكينة.

أليس هذا الشارع، وما يرمز إليه، شاهدًا على الانكسار الكبير في حياة الناس؟ طرابلس التي كانت تُطعم الآخرين، باتت تجوع في زمن الثراء المزيّف. إلا أنه رغم ذلك، تبقى طرابلس قلب ليبيا النابض، وستنهض كما عهدناها، لأن فيها من الحبّ والكرم ما يكفي لتغسل كل أوجاع أهلها الذين ينتظرون إنقاذها من حالة الوهن إلى حالة القوة والاستقرار، ويعود إليها مجدها وصورتها الجميلة في أعين كل من يأتيها حالما بتاريخها وعراقتها عبر الأزمنة الجميلة بالحب والصفاء.

زر الذهاب إلى الأعلى