مقالات الرأي

القيادة العامة تعيد إحياء طريق الصحراء: ليبيا تعود إلى خارطة تجارة العبور

بقلم/ عثمان الدعيكي

تتمتع ليبيا بموقع جغرافي استراتيجي على البحر الأبيض المتوسط، يمتد ساحلها لحوالي 2000 كيلومتر، ما يجعلها بوابة طبيعية بين أوروبا وإفريقيا. هذا الموقع الفريد يتيح لليبيا فرصة استثنائية لتطوير تجارة العبور، التي يمكن أن توفر موارد إضافية للميزانية العامة، وتنشط الاقتصاد، وتفتح مجالات استثمارية متنوعة، لا سيما في ظل الاعتماد الكبير على النفط كمصدر رئيسي غير مستقر.

كما هو معروف فإن تجارة العبور تقوم على استخدام أراضي الدولة لنقل البضائع بين دول أخرى، ما يتيح تحقيق إيرادات متنوعة أهمها رسوم المرور، التخزين، والخدمات اللوجستية، بينما تستفيد المناطق التي يمر بها الطريق من تنمية مكانية وعمرانية ومشروعات اقتصادية جديدة.

في العقد الأول من القرن الحالي، أدركت الدولة الليبية أهمية تجارة العبور، فأطلقت مشروع طريق يربط ليبيا بدول وسط أفريقيا، تحت مسمى “طريق القذافي عبر الصحراء”، بهدف ربط شمال البلاد بالدول الأفريقية جنوب البلاد، ومن ثم بقية الدول الحبيسة في وسط أفريقيا، ذاك المشروع الذي تشرفت في العام 2009 أن أكون عضوًا في لجنة متابعة تنفيذه. والذي كان فكرة لطالما راودت الوطنيين من الليبيين طيلة عقود سابقة، تم الشروع في تنفيذ بعض القطاعات منه داخل الأراضي الليبية، فضلًا عن تنفيذ التصاميم والمسوحات المطلوبة في الدول التي ستمر بها، لكن الأحداث السياسية التي أعقبت عام 2011 أوقفت المشروع.

اليوم، تعمل القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية على إعادة إحياء هذه الفكرة، لتصبح طريق سرت–سبها–أفريقيا محركًا أساسيًا لتجارة العبور، بعد أن اكتمل تنفيذ ميناء سرت التجاري وافتتاح مطار خليج سرت الدولي ليشكلا نقطة انطلاق لنجاح هذا المشروع الطموح. ويأتي هذا التوجه في إطار رؤية القيادة العامة الهادفة إلى إعادة ليبيا إلى موقعها الطبيعي على الخارطة السياسية والاقتصادية، واستعادة دورها الريادي في محيطها الإقليمي، وخاصة في القارة الأفريقية التي تمثل عمقها الاستراتيجي ومجالها الحيوي. ومن هذا المنطلق، أولت القيادة اهتمامًا خاصًا بالمشروعات الاستراتيجية الكبرى، التي لا تقتصر على بعدها الاقتصادي فحسب، بل تمتد لتكون جسور تواصل وتعاون إقليمي يعزز مكانة ليبيا كبوابة رئيسية لأفريقيا على البحر المتوسط، ويعيد إليها دورها التاريخي كمركز للتبادل التجاري والربط بين الشمال والجنوب.

يمتد الطريق من مدينة سرت على الساحل الليبي، مرورًا بمدينة سبها، وصولًا إلى الحدود مع دول الجوار الأفريقي. ومن المتوقع أن يقلل هذا الطريق من تكاليف النقل بشكل كبير، ويجعل من ليبيا مركزًا محوريًا لنقل البضائع بين الدول الأفريقية الحبيسة وأوروبا، ما يعزز تجارة العبور وتنافسية المنتجات الليبية. كما أن المناطق التي سيمر بها الطريق ستشهد انتعاشًا اقتصاديًا، من خلال تحسين البنية التحتية وخلق فرص عمل جديدة، بالإضافة إلى تنشيط الصناعات القائمة على النقل البري والخدمات اللوجستية، ومشروعات التخزين والتوزيع، والمراكز التجارية المرتبطة بها.

تشير الدراسات المحلية إلى أن ليبيا شهدت نموًا في التجارة الخارجية بين عامي 2021 و2024، ما يعكس إمكانياتها الكبيرة في استقطاب تجارة العبور، خاصة إذا تم توظيف الطرق والموانئ الحديثة بالشكل الصحيح. وتعتبر الموانئ على الساحل الليبي، مثل ميناء سرت الجديد، وميناء الخمس، من الركائز الأساسية لهذا المشروع، حيث توفر تسهيلات لوجستية وتجارية تسهم في استيعاب حركة البضائع، سواء القادمة من أوروبا أو المنطلقة نحو إفريقيا.

أظهرت العديد من النماذج الدولية كيف يمكن استغلال الموقع الجغرافي لخلق مركز تجاري عالمي. فالإمارات وسنغافورة، على سبيل المثال، حولت موانئها وبنيتها التحتية المتقدمة إلى بوابات رئيسية للتجارة العالمية، محققة إيرادات هائلة وتنمية اقتصادية شاملة، وليبيا، من خلال استغلال موقعها على البحر المتوسط وتطوير شبكة الطرق والموانئ، يمكنها أن تحقق نجاحًا مماثلًا، لا سيما أن الطرق المزمع إنشاؤها ستربط المناطق الشمالية بالمناطق الجنوبية، ما يعزز التكامل الاقتصادي والتنمية المكانية، ويحد من الهجرة غير المنظمة، ويخلق استقرارًا ديموغرافيًا نسبيًا في المدن والقرى التي يمر بها الطريق.

إضافة إلى الفوائد المباشرة، فإن تجارة العبور ستسهم في تنويع مصادر الدخل القومي، بعيدًا عن النفط، من خلال رسوم المرور والرسوم الجمركية والخدمات اللوجستية المرتبطة بالموانئ والطرق. كما ستنشط الصناعات المرتبطة بالتخزين والتوزيع، والمراكز التجارية والمرافق الخدمية، بما في ذلك الفنادق والمطاعم، ما يعزز الاقتصاد المحلي ويزيد من فرص الاستثمار في مختلف القطاعات.

تحديات المشروع تبقى مرتبطة أساسًا بالاستقرار الأمني والسياسي، إلا أن الإرادة الحالية لتطوير البنية التحتية وتسهيل التجارة تشير إلى إمكانية التغلب على هذه العقبات. فالاستثمار في الطرق والموانئ والخدمات اللوجستية سيخلق شبكة متكاملة من البنية الاقتصادية، تجعل ليبيا مركزًا إقليميًا للتجارة والعبور بين أوروبا وإفريقيا، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي والموانئ المتطورة، وهو ما يمكن أن يحول البلاد إلى منصة لوجستية حيوية توفر فرصًا مالية وتنموية كبيرة على المدى الطويل.

بهذا الشكل، يمثل إحياء فكرة طريق القذافي عبر الصحراء فرصة استراتيجية لليبيا لتعزيز الاقتصاد الوطني وتنويع مصادر الدخل، وخلق مناطق تنموية جديدة، وتحقيق فوائد مالية ملموسة، بينما تصبح البلاد بوابة رئيسية للتجارة بين إفريقيا وأوروبا، مستفيدة من موقعها الجغرافي وتاريخها كحلقة وصل بين القارتين.

زر الذهاب إلى الأعلى