الألسنية العامة بين الفلسفة والمنطق المداخلة الأولى: في اللاهوت 15

بقلم/ مهدي أمبيرش
الذين يتابعون هذه المداخلات قد يكون البعض منهم لم تتضح له طريقتنا في الكتابة المؤسسة على الذي سبق أن ذكرناه على أنه منهج التفكير العربي البياني، وأن النسب إلى العرب، إنما هو نسب إلى الوضوح والبيان، ففي قولنا: أعرب الإنسان عما في نفسه، أي أوضح وأبان، وهنا لا نفهم أن البيان العربي ثنائية النفس والإعراب، بل إن الإعراب بغض النظر عن الوسيلة هو إيضاح لإرادة فعل القول، وأن الفعل يحيلنا إلى علاقة التضايف مع الفاعل، كما أن إرادة الفعل تكشف عن البعد الذي تعطيه الكلمة في العربية على أنها أبعد من اللفظ.
إن الكلمة في العربية ليست مشيئة خلق، ولهذا تحيلنا النفس إلى الروح المبدعة، والروح كما ذكرنا مرارا هي الطور الأخير الذي صار فيه البشري إنسانا والذي سبق الطور البشري أي طور الحياة كان الطور المادي الفيزيائي في قصة الخلق، هنا تكون مقالاتنا في مقاربة سؤال: ما الإنسان، أننا كشفنا عن هذه الأطوار في قصة خلق الإنسان أي أن الإنسان ليس مركبًا كما تذهب النزعة المادية القديمة المتجددة ولا التطورية كما ذهب إلى ذلك (لامارك) والمفكر الإنجليزي (دارون) أو الإنجليزي (سبنسر) اللذان ينطلقان من منهج التفكير الأنجلو سكسوني الذي حاولا به أن يعطيا مبررًا للاستعلائية من جهة والحطِّ من قيمة كل السابق في الحضارات الإنسانية، وتحديدا حضارات الشرق الذي يحلو للبعض أن يقول عنه الشرق القديم ضمن مركبٍ ثالوثي من خلال القول بالماضي والحاضر والمستقبل، أي بالتركيب الثالوثي في النزعة المادية الذي يقبل بداهةً التفكيك، على أن هذا النهج ليس جديدًا، بل يكشف عن عوج لساني يكشف هو الآخر عن عوج في منهج التفكير.
من خلال هذا النسق الذي اتّبعناه حاولنا من خلال مقاربة في علم الإنسان بعامة إلى تقديم محاولةً في علم الإنسان العربي ومنهج التفكير البياني العربي وأن هذا المنهج يتجلَّى في اللسان، ويَعبُر من خلال وسائل ووسائط التعبير.
وقد ذكرنا أن منهج التفكير البياني يرفض النزعة المادية في محاولة تقديم الإنسان على أنه مخلوق مادي فيزيائي، وأنه جزء من الطبيعة، حيث تسري عليه قوانين الطبيعة الفيزيائية فإذا تقدم قليلًا قدمه على أنه ثنائية الجسد والنفس أي إخضاعه لقانون الفيزياء وقانون الحياة بعامة التي يستوي فيها الإنسان وكل المخلوقات الحية بدءًا من النبات حتى الإنسان، وهو ما جعلنا نفرق بين النفس والروح، لا على أساس أن الروح ضمن ثنائية الفيزيقي وميتافيزيقي، بل إن الروح هي التي صار بها البشري إنسانًا مفكرًا ومبدعًا والتي من خلالها عارضنا مقولة ديكارت وما يعرف بالكوجيتو الديكارتي لتبرير الوضعانية الفرنسية (أنا أفكر، إذا فأنا موجود) وأن صواب القول أنا أفكر وأتكلم إذا فأنا إنسان. فالمداخلة السابقة عارضنا طرفًا من أطروحات ارستوكليس (أفلاطون) الذي وقع تحت تأثير الخرافات الهندية الفارسية القديمة التي تأسست على الثنائية (dualism)، والتي بررت الغزو والاحتلال، فالقبائل الزاحفة من هضبة الهند في الشمال كانت تحاول إبادة الشعوب الأصلية من خلال أن الغزاة هم أتباع (فشنو)، وأن أصحاب الأرض الأصلية هم أتباع (شيفا)، فالأولون هم أتباع النور والطهارة والقداسة، وأن السكان الأصليين هم من أتباع الظلام والشر، وتكون النتيجة أنه لا بد من سحقهم، ولكن يبدو أنهم عجزوا على أن يبيدوا السكان الأصليين، وأن أطروحة الصراع بين ضدين: الخير والشر أو النور والظلام أو المقدس والمدنس لم تعد كافية، الأمر الذي يفرض البحث عن منطق تركيبي يضم الاثنين معا مع الإبقاء على تميز الغزاة، فتم اختراع (البراهما) الذي يمثل اللغوس أو المنطق التركيبي الذي يخفف من حدة الصراع بين الغزاة والسكان الأصليين ضمن تقسيم طبقي لا يزال حتى اليوم.
وهذه نفسها التي صار عليها خطاب الغزاة القادمين من الشمال ليحتلوا ما يعرف اليوم بإيران التي كان يسكنها الميديون في الشمال والعيلاميون في الجنوب، فقد اخترعوا في البداية ثنائية إله الخير والنور وإله الشر والظلمة أي آهورا مزدا واهرمن، ويبدو هنا كذلك أن الشعوب الأصلية قاومت الغزو بشدة، من ثَم كان من الضروري اختراع مركب داخل زوان الذي هو الزمن.
والقول إن أهورا مزدا واهرمن كانا أخوين في بطن أبيهما زروان الذي هو الزمن، وكان من المفترض أن يخرج أهورا مزدا أولًا ثم أخوه اهرمن إلا أن الأخير شق بطن أبيه فخرج أولًا ليمثل الشر والدمار والظلمة وإن كان أهورا مزدا سينتصر في النهاية وهو الذي نسمعه يتردد اليوم في ثنائية الصراع بين الخير والشر، وأن الخير سينتصر في النهاية، والذي يكذبه منهج التفكير العربي، فالعلاقة لا تقوم على صراعٍ بين ضدين، بل على علاقة حضور وغياب، كما سبق أن ذكرنا أن العدم ليس ضدا للوجود أو الموت ضدا للحياة، فالقاعدة هي كما ذكرنا علاقة حضور وغياب، فالحق تبارك وتعالى يعلمنا أنه يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، وأنه يحيي الأرض بعد موتها، أن هذا هو الذي حاولنا أن نقاربه من خلال مداخلاتنا في اللسان العربي، وهو نفسه الذي بدأنا عرضه في المداخلة السابقة، ونحن نتناول بعضًا من الثنائية التي أسس عليها أفلاطون مشروعه في التعارض بين القول بالمثالي والمادي في محاورة كراتيلوس التي يعطي فيها القداسة للاسم والتدني للفعل، والذي تجسد في الخلاف بين المدرسة الأيونية الطبيعية والمدرسة الأيلية المثالية التي ينتصر فيها أفلاطون للأخيرة على أساس الخلاف بين النزعة الأرستقراطية في مقابل الدهماء أو السواد أو العوام الذين يقدمهم معدنا خسيسا لا يجب أن يصلوا للسلطة أو ما يعرف بالديمقراطية.
