مقالات الرأي

الإعلام الليبي بين الحرية والفوضى

بقلم/ عفاف الفرجاني

منذ سقوط نظام الإعلام المركزي في ليبيا، غرق المشهد الإعلامي في فوضى عارمة، تحوّلت فيها الحرية إلى شعار يرفع لا ممارسة تُحترم. فبدل أن يكون الإعلام رافعة للوعي الوطني، صار مرآةً لتشتت الدولة، تُحركه المصالح والجهات التي تملك المال والسلاح. أصبح منبرًا للنفوذ لا للمعرفة، وللتعبئة لا للتنوير.

القنوات التي تبث من العاصمة طرابلس تخضع في معظمها لسطوة قوى مسلحة تملي الخطاب وتوجّه المحتوى، ما جعلها تعيد إنتاج رواية الممول أو الحامي بدل أن تصنع روايتها الخاصة. وقد رصدت الهيئة العامة لمراقبة المحتوى الإعلامي عام 2022 أكثر من خمسة عشر ألف خرق مهني داخل المؤسسات الإعلامية العاملة في المنطقة الغربية، في ظل استمرار العمل بقانون النشر رقم 76 لسنة 1972 الذي يمنح السلطات صلاحية الرقابة المسبقة، إضافة إلى قانون مكافحة الجريمة السيبرانية لسنة 2022 الذي أضفى طابعًا قانونيًا على تكميم الصوت. هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات مهنية، بل شواهد على بيئة خاضعة بالكامل لهيمنة القوة، لا لسيادة القانون.

أما المأساة الأعمق، فهي ما يمكن تسميته بانهيار الضمير المهني. فبعض الصحافيين والإعلاميين لم يعودوا يكتبون ويتكلمون بدافع الحقيقة، بل بدافع الولاء، ولم يعودوا ينحازون للوطن، بل للممول الذي يضمن استمرار الصوت. بتحول القلم إلى أداة مساومة، والميكروفون إلى وسيلة استرضاء، فقد الإعلام معناه الأخلاقي، حين بات يُقدّم الزيف في ثوب البطولة، ويمجّد الفشل تحت عنوان “الواقعية السياسية”. إنها خيانة المبدأ حين يُستبدل الموقف بالمنصب، والوعي بالتصفيق.

في تقديري، إن إنقاذ الإعلام الليبي لا يتحقق بتوسيع هامش الكلام، بل بتحريره من سلطة الميليشيات ومن سطوة المال، وبإعادة تأسيسه على قيم المسؤولية والمساءلة. فالإعلام الحر ليس صوتًا مرتفعًا، بل ضميرًا لا يُشترى، وعندما يُستعاد هذا الضمير، فقط آنذاك يمكن للوطن أن يسمع نفسه بصدق.

زر الذهاب إلى الأعلى