ليبيا بين الفيروس والورم: تشريح لجسد وطن يحتضر

بقلم/ محمود امجبر
في إطار تحليل معمّق ومفصّل لما كتبه الأستاذ عبد الله ميلاد المقري في مقالته المنشورة، التي تناول فيها الحالة السياسية الليبية بعد عام 2011، من خلال تشبيهها بالمرض أو الورم أو الفيروس، وطريقة التعامل معها عبر الاستئصال أو المسكنات أو محاولات العلاج، أجد أن من الممكن إثراء هذا الطرح بإضافة تحليل جديد ومختلف يُسلّط الضوء على زاوية مختلفة دون أن يُشوّه جوهر الفكرة الأصلية.
هذا المدخل المقترح لا يتعارض مع مضمون المقال، بل يُعزّز بنيته الرمزية ويُعمّق فهم القارئ لطبيعة الأزمة الليبية، من خلال تشريح رمزي للجسد الوطني، وتوصيف دقيق لتفككه العضوي والسياسي، بما يفتح المجال أمام قراءة متعددة الأبعاد للحالة الليبية الراهنة.
وعليه، فإن إدراج هذا يُعدّ إضافة نوعية، تُمهّد للقارئ الدخول إلى عالم التحليل الذي بناه المقري، وتُهيّئه لفهم التشبيه الرمزي الذي يُسقط الحالة السياسية على نموذج المرض المزمن، بكل ما يحمله من تعقيد، وإستعصاء، وتداخل في أدوات العلاج والتشخيص.
منذ أن انكشفت ليبيا على رياح فبراير 2011، لم تكن تسير نحو الشفاء، بل نحو تفكك عضوي داخلي، وكأن جسدها السياسي أُصيب بفيروس فريد من نوعه، لا يشبه أي عدوى عرفها التاريخ. إنه ليس فيروسًا بيولوجيًا ينتقل عبر الهواء أو الدم، بل هو عدوى سياسية، أخلاقية، وطنية، لا تصيب إلا الليبيين، ولا تغادر أرضهم، ولا تتسلل إلى الشعوب المجاورة. حتى من عبروا من ليبيا إلى المنافي، عادوا سالمين من هذا الوباء، وكأن الجغرافيا وحدها هي الحاضنة لهذا المرض.
فيروس لا يُرى، لكنه يُميت
هذا الفيروس لا يحتاج إلى مجهر، بل إلى بصيرة. إنه يتغذى على ضعف المؤسسات، على انهيار القيم، على موت الضمير الجمعي. كل محاولة لعلاجه كانت أشبه بوصفة شعبية: من جلسات الحجامة السياسية إلى بخور المؤتمرات الدولية، من أوراق الشيح إلى بول الإبل، من منجمين يتنبؤون بالشفاء إلى مبعوثين أمميين يوزعون المسكنات. لكن لا شيء أوقف النزيف. بل كل علاج زاد مناعة الفيروس، رسّخه، جعله أكثر قدرة على التكيف، وأكثر شراسة في مهاجمة ما تبقى من خلايا وطنية سليمة.
ورم سياسي يتسرطن في العمق
وإن لم يكن فيروسًا، فهو ورم. ورم خبيث نما في فراغ الدولة، تغذى على دماء فبراير، وتطوّر عبر مؤامرات الربيع العربي. كل جلسة حوار كانت بمثابة جلسة “ليزر سياسي” لا تستأصل الورم، بل تهيّئه لجولة جديدة من التمدد. الصخيرات، أبوزنيقة، جنيف، برلين.. أسماء تحوّلت إلى أوهام علاجية، لا تلامس مركز الورم، بل تدور حوله، تخدّره، وتمنحه وقتًا إضافيًا ليعيد تشكيل نفسه.
تشخيص الجسد الليبي: انهيار شامل
الجسد الليبي اليوم ليس مريضًا فحسب، بل يحتضر. لم يعد يملك مناعة، ولا قدرة على التجدد. خلاياه الوطنية ميتة، وأجهزته الأخلاقية معطلة. الطيبون فيه يقفون عاجزين، لا يملكون لقاحًا، ولا حتى أملًا. كل يوم يمر، هو نزيف جديد، وكل مؤتمر يُعقد، هو حقنة تخدير إضافية. وبينما تتآكل أطراف الجسد، يبقى الرأس مشوشًا، غير قادر على اتخاذ قرار الاستئصال.
الكي بالنار: هل هو الحل؟
ربما لم يعد هناك خيار سوى الكي. فالفيروس لا يُقتل بالمسكنات، والورم لا يُستأصل بالليزر. الحل قد يكون مؤلمًا، لكنه ضروري. اجتثاث هذا المرض السياسي يتطلب مواجهة جذرية، لا مجاملة فيها، ولا مساومة. فإما أن يولد جسد ليبي جديد، قادر على المقاومة، على التجدد، على الحياة.. أو أن يبقى هذا الجسد حبيسًا في غرفة الإنعاش، ينتظر معجزة لا تأتي.
خاتمة: بين الموت والبعث
الصورة قاتمة، نعم. لكن في عمق الظلام، هناك دائمًا بصيص نور. السؤال الذي يظل معلقًا في سماء ليبيا: هل سنشهد يومًا ولادة وطن جديد، مقاوم، متعافٍ، أم أن الفيروس سيبقى مقيمًا فينا، يتغذى على أحلامنا، ويمنعنا من التنفس كباقي الشعوب؟
