القمم العربية: مآتمُ تُزيَّن بالذهب والعدوُّ في غيه دون رادع.. فلماذا نحن هكذا؟

بقلم/ فرج بوخروبة
يا أمةً تُتوَّجُ بالأنبياء، وتُحفَظُ بالقرآن، وتُبنى على عزٍّ لا يُقهَر، وتُحاصرُ بمؤامراتٍ لا تُحصى.. يا أمةً تُرفعُ في القممِ أعلامُها، وتُوقَّعُ تحتها اتفاقاتٌ تُشبهُ وعودَ السراب، وتُختمُ ببياناتٍ تُقرأ كمراثي الأموات، ثم تُنسى كأنها لم تكن.. يا أمةً تُجمعُ قادتها في قاعاتٍ مُذهَّبة، بينما شعوبُها تُذبحُ في العراء، وتُشرَّدُ في البراري، وتُسجَنُ في زنازينَ لا تعرفُ الرحمة.. يا أمةً يُخطَبُ باسمها، ويُتاجَرُ بقضيتها، ويُضحَّى بأبنائها.. هل بقي في صدورِ قادتك شيءٌ من نخوةِ العرب، أم أن القممَ صارت مزاداتٍ للوجاهة، ومجالسَ للوجبات، ومسارحَ للخطبِ الرنانةِ التي لا تُحرِّكُ ساكنًا؟
إن القممَ العربية، في واقعِها المرير، لم تعدْ ملتقى للقرار، بل ملتقى للهروبِ من القرار. لم تعدْ مكانًا لتوحيدِ الصف، بل لتوثيقِ الانقسام. لم تعدْ درعًا يُرفعُ في وجهِ العدو، بل سُلّمًا يصعدُ عليه العدوُّ ليمضي في غيهِ دون رادع، ويستمرَّ في عدوانهِ دون موقفٍ مُشرِّف. فما الذي تُنتجهُ هذه القممُ غيرَ الوجع؟ وما الذي تتركُهُ في نفوسِ الأمةِ غيرَ الألم؟
لن نخوضَ في تفاصيلِ البروتوكولات، ولا في أسماءِ القصورِ التي استضافتْ آخرَ القمم. لن نعدِّدَ البنودَ التي أُقرَّتْ، ولا البياناتِ التي أُعلِنتْ. فتلك كلُّها حبرٌ على ورق، وكلماتٌ تُلقى على مسامعِ شعوبٍ مُنهَكة، تنتظرُ الفعلَ لا القول، والقرارَ لا التأجيل، والكرامةَ لا الإذلال.
ما تُنتجهُ القممُ العربية، في جوهرِها، هو:
أولًا: إطالةُ أمدِ المعاناة
كلُّ قمةٍ تمرُّ دون قرارٍ حاسمٍ ضدَّ عدوانٍ واضح، هي قمةٌ تُمدِّدُ عمرَ الجريمة. عندما يُقصفُ الأطفالُ في غزة، ويُحاصرُ الشعبُ في السودان، ويُستباحُ العُزَّلُ في سوريا، ويُهانُ الإنسانُ في اليمن.. ثم يجتمعُ القادةُ ليقولوا: “نُتابعُ بقلقٍ بالغ”، فهذا ليس موقفًا، هذا استسلامٌ مُقنَّع. هذا تواطؤٌ صامت. هذا إذنٌ مفتوحٌ للعدوِّ أن يمضي في غيهِ دون رادع.
ثانيًا: ترسيخُ ثقافةِ العجز
القممُ العربية، ببياناتها المتكررةِ وخطاباتها المتشابهة، تُعلِّمُ الشعوبَ أن لا فائدةَ من الأمل. أن لا جدوى من الصبر. أن لا معنى للوحدة. فتصبحُ الشعوبُ مُستسلِمةً، مُنهَزمةً نفسيًا قبل أن تنهَزم عسكريًا أو سياسيًا. تُرسِّخُ القممُ ثقافةَ أن “العدوَّ أقوى”، وأن “الوقتَ ليس مناسبًا”، وأن “الظروفَ غيرُ مواتية”. كأن الأمةَ تنتظرُ إذنًا من القممِ لتثور، أو لتدافعَ عن نفسها، أو حتى لتشعرَ بالغضب!
ثالثًا: تفتيتُ الأمةِ بدلًا من توحيدِها
في كلِّ قمةٍ، يُعادُ إنتاجُ الخلافاتِ القديمة، وتُستغلُّ الأزماتُ لتصفيةِ الحسابات، وتُستخدمُ القضايا المصيريةُ كأوراقِ مساومة. القضيةُ الفلسطينيةُ تُبخَّسُ، واليمنُ يُهمَلُ، وسوريا تُجزَّأُ، وليبيا تُمزَّقُ.. وكلُّ ذلك تحتَ شعارِ “التوافقِ العربي”. أيُّ توافقٍ هذا الذي يُرضي العدوَّ ويُغضِبُ الشعوب؟ أيُّ توافقٍ يُقدِّمُ المصالحَ الضيقةَ على الدماءِ الذكية؟
رابعًا: تجميلُ الهزيمة
البياناتُ الختاميةُ للقممِ تُشبهُ تلك اللوحاتِ الفنيةَ التي تُعلَّقُ على جدرانِ المستشفياتِ لتُخفيَ وراءَها أنابيبَ الأوكسجينِ وأصواتَ آلاتِ الإنعاش. تقولُ: “نُثمِّنُ الجهود”، ونؤكد التضامن”، ونشدد على الحلولِ السياسية”. كأن الأمةَ في نزهةٍ سياسية، لا في معركةِ وجود. كأن الدماءَ التي تُسفكُ كلَّ يومٍ يمكنُ أن تُجفَّفَ بقلمِ وزيرٍ يوقِّعُ على ورقة!
ها هو العدوُّ سواءٌ أكان استعماريًا قديمًا، أو احتلاليًا جديدًا، أو طاغوتًا داخليًا يرى القممَ العربيةَ كمسرحٍ هزلي. يرى القادةَ يجتمعونَ ثم يفترقونَ دون أن يُحرِّكوا ساكنًا فيزدادُ جرأةً، ويُمعِنُ في العدوان، ويُوسِّعُ دائرةَ القمع، ويُعيدُ رسمَ خرائطِ المنطقةِ كما يشاء. لأنه يعرفُ أن لا عقابَ ينتظرُه، ولا ثمنَ سيُدفعُ له، ولا موقفَ سيُحرِجُه.
العدوُّ لا يهابُ البيانات، ولا يخافُ من الخطابات. يهابُ الجيوشَ الموحَّدة، والشعوبَ الثائرة، والقادةَ الشجعان. لكننا قدَّمنا له العكس: جيوشًا مُشتَّتة، وشعوبًا مُستسلِمة، وقادةً مُتردِّدين.
بينما يجلسُ القادةُ على الموائدِ المُزيَّنة، تجلسُ الأمهاتُ على أنقاضِ بيوتهنَّ يبكينَ أبناءَهنَّ. بينما يُوقَّعُ البيانُ الختامي، يُوقَعُ حُكمُ الإعدامِ على أطفالٍ جوعى. بينما يُلقى خطابُ “الوحدةِ والتضامن”، تُفرَّقُ العائلاتُ بالقصفِ والتهجير. هذا هو الثمنُ الحقيقيُّ الذي تدفعُهُ الأمةُ مقابلَ عجزِ قممِها.
ختامًا
بعد كلِّ هذا.. بعد الدماءِ التي سُفكت، والبيوتِ التي هُدِّمت، والأطفالِ الذين شُرِّدوا، والكراماتِ التي وُطِئت.. وبعد كلِّ قمةٍ تنتهي ببيانٍ لا يُغيِّرُ واقعًا، ولا يُحرِّكُ ضميرًا، ولا يُردعُ عدوًا..
نعودُ نسألُ وألسنتُنا ترتجفُ من الألم لماذا نحن هكذا؟
هل فقدنا الإيمانَ بأنفسِنا؟
هل بعنا كرامتَنا بثمنٍ بخس؟
هل صرنا نخشى العدوَّ أكثرَ من خشيتِنا من غضبِ الله؟
هل نسينا أن الأمةَ التي تُحرِّكُها العقيدةُ لا تُقهَر؟
هل نسينا أن التاريخَ لا يُكتَبُ بالبيانات، بل بالدماءِ والتضحيات؟
هل نسينا أن القممَ لا تُشرَّفُ بالذهبِ الذي يُزيِّنُ قاعاتِها، بل بالقراراتِ التي تُغيِّرُ مصيرَ الشعوب؟
يا أمةَ العرب..
هل بقي في صدورِنا شيءٌ من نخوةِ قُصيّ؟
هل بقي في قلوبِ قادتِنا شيءٌ من غيرةِ خالد؟
هل بقي في عقولِ مُقرِّري السياساتِ شيءٌ من حكمةِ عمر؟
أم أننا والعياذُ بالله صرنا أمةً تُرفعُ لها الأكاليلُ في القاعات، وتُداسُ كرامتُها في الساحات؟
فهل من مُجيب؟
هل من مُغيث؟
هل من مُغيِّر؟ أم أننا سننتظرُ قمةً أخرى.. وبيانًا آخر.. ووجعًا آخر.. وطفلًا آخرَ يُقتلُ دون أن يُحرَّكَ ساكن؟
