نحو إعلام عربي مقاوم

بقلم/ ناصر سعيد
منذ عقود، ظلّ الإعلام العربي مرآة لواقع الأمة، لكنه كان – في أغلب الأحيان – مرآة مشروخة تعكس الانقسام أكثر مما تعكس الوحدة، فبدل أن يكون رافعة وعي وقوة ناعمة تسند الشعوب وقضاياها، تحوّل إلى ساحات متفرقة، لكل دولة “إعلامها”، بل أحيانًا لكل فصيل داخل الدولة قناته وصحيفته ومنصاته.
لم يعد سرًّا أن الإعلام العربي يعيش اليوم حالة من التفتت والضياع، فمنذ نشأته الحديثة، ظلّ أسير الأنظمة والسياسات، صوتًا للسلطة قبل أن يكون صوتًا للشعوب، ومنبرًا للمصالح الضيقة قبل أن يكون لسانًا للكرامة العربية، فتحوّل المشهد إلى فسيفساء مبعثرة من “إعلامات” لا يجمعها سوى اللغة، فيما تغيب عنها وحدة الرسالة والهدف.
هذا الواقع المرير جعل الإعلام العربي عاجزًا عن الدفاع عن قضايا الأمة الكبرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وعن مواجهة مشاريع التفتيت والتطبيع والهيمنة الثقافية، بل إن بعضه انخرط – عن قصد أو بغير قصد – في تكريس خطاب الهزيمة، وتزييف الوعي، وتلميع الخانعين.
اليوم نحن بحاجة ملحة إلى إعلام عربي واحد لأن المعركة التي تواجهها الأمة ليست محلية، بل وجودية، تمتد من فلسطين إلى كل جغرافيا العرب.. ولأن العدو الخارجي يستثمر في تفريقنا، بينما إعلامنا منشغل بالتطبيل للسلطة أو تصفية الحسابات الداخلية.. ولأن الأجيال الجديدة تحتاج إلى خطاب صادق، عروبي، مقاوم، يزرع الأمل ويدافع عن الهوية ويعيد لها الثقة والكرامة والوعي، بدل خطاب الترفيه المفرط أو التضليل الممنهج.. وذلك من خلال إرادة فكرية قبل أن تكون سياسية، فالمشروع الإعلامي العروبي لا يمكن أن يولد من قصور الحاكمين، بل من اقتناع نخب فكرية وإعلامية بضرورة تجاوز الولاءات الضيقة، وتشكيل إطار تواصل منتظم يتجاوز الحدود يكون بين الصحفيين والمثقفين المؤمنين بالقضية العربية، لتنسيق خطاب مشترك وخلق منصات بديلة، ففي زمن التكنولوجيا لم تعد الحدود عائقًا، إذ إن المنصات الرقمية قادرة على كسر الاحتكار الرسمي وبناء فضاء إعلامي بديل للشباب العربي، تكون فيه الأولوية للقضايا الجامعة “القضية الفلسطينية، رفض التطبيع، الدفاع عن الهوية العربية، محاربة الفساد والاستبداد، مناهضة التبعية والاستعمار والاحتلال”.. كلها يجب أن تكون محور الإعلام الجديد، المتحرر “الإعلام الحر يبدأ من الإرادة الحرة”.
إن مشروع بناء “إعلام عربي واحد مقاوم” ليس ترفًا ولا شعارًا مثاليًا أو حلمًا مستحيلًا، بل ضرورة وجودية، فالكرامة التي ما زالت هذه الأمة تتمسك بها، لن تُصان إلا بإعلام يعبّر عن شعوبها، فالأمة التي تتعرض لأبشع محاولات التذويب والهيمنة تحتاج إلى إعلام عروبي قومي، يعلو على المصالح الضيقة، ويقف في صف الشعوب لا الحكام، ويغلب المستقبل العربي على الحسابات الآنية.
ذلك هو الإعلام الذي يحفظ ما تبقى لنا من كرامة، ويعيد للوعي العربي صوته، وللأمة صورتها، وللأجيال القادمة أملها.
