مقالات الرأي

القيم في مهب التحول

بقلم/ محمد بوخروبة

لطالما كانت القيم الأخلاقية بمثابة العمود الفقري لأي مجتمع يسعى إلى الحفاظ على تماسكه واستمراريته، فهي ليست مجرد قواعد سلوكية عابرة، بل منظومة ثقافية ضابطة، تصوغ الوعي الجمعي، وتوجه السلوك الفردي، وتمنح الوجود الإنساني معناه الأخلاقي.

غير أن ما كان ينظر إليه على مدى قرون بوصفه ثابتًا، أصيلًا، وغير قابل للتفاوض، بات اليوم موضع تشكيك، بل وإعادة تشكيل، إلى الحد الذي يجعلنا نتساءل: هل ما نشهده اليوم هو تطور طبيعي في بنية القيم، أم انحدار خطير في الوعي الأخلاقي؟

في ظل العولمة الرقمية، وسوق الشهرة السريعة، وانهيار المرجعيات التقليدية، لم تعد القيم تكتسب كما في السابق من خلال الأسرة أو المدرسة أو الدين فحسب، بل أصبحت تتشكلوبشكل متزايد، عبر الإعلام، منصات التواصل، ثقافة الصورة، وخوارزميات الذكاء الاصطناعي، وهنا يتحول سؤال القيم من سؤال فلسفي أو أخلاقي، إلى سؤال ثقافي اجتماعي بالغ التعقيد.

في الأجيال السابقة، كانت القيم تنقل عبر كيانات ذات مصداقية راسخة.. العائلة التي تشكل أول حضن تربوي، المؤسسة الدينية التي توجه الضمير، المدرسة التي تؤسس العقل، والجامعة التي تفتح آفاق الوعي، لم تكن هذه المؤسسات مجرد أدوات لنقل المعلومة، بل كانت بيئات لصناعة الإنسان، وبناء النسق الأخلاقي الذي يصون المجتمع من التفكك.

أما اليوم، فقد تغير المشهد بشكل جذري، لم تعد هذه الجهات تحتكر تشكيل الوعي القيمي، بل تراجعت مكانتها لصالح قوى جديدة، غير واضحة المعالم، تنتج القيم وتبثها وتكرسها عبر أدوات رقمية فائقة النفوذ، باتت المنصات الرقمية تسوق لكل شيء، بما في ذلك السلوك والأخلاق، بوصفها منتجات استهلاكية قابلة للعرض والطلب.

هكذا تحولت القيم من كونها نابعة من داخل الإنسان، إلى عناصر مرئية خارجية، تقاس بقوة الحضور الرقمي، لا بعمق التأمل أو صدق الموقف.

في هذا السياق المتغير، لم تعد القيم تبنى على المعرفة أو التأمل، بل على الإعجاب والانتشار، بات كافيًا أن تمتلك كاريزما رقمية، حتى تمنح شرعية ثقافية تتفوق على أي رصيد معرفي أو أخلاقي فعلي، أصبح معيار الترند أهم من معيار القيمة، وعدد المتابعين أرجح من المحتوى.

ومن بين أبرز مظاهر التحول القيمي، تراجع مكانة العمل الجاد كقيمة مركزية، لم تعد المكانة الاجتماعية تكتسب بالجد والاجتهاد والتميز الحقيقي، بل بما يحدثه الشخص من ضجيج، حتى لو كان زائفًا، الشهرة أضحت هدفًا لا وسيلة، محتواها لا يهم، ما دامت تثير الانتباه.

بل إن قيمة الخصوصية، التي كانت تمثل أحد أركان الكرامة الإنسانية، تعرضت لتآكل مريع، أصبحت المشاركة المفرطة في الحياة الشخصية، والتفاصيل الحميمة، وأحيانًا الابتذال العلني، أمورًا شائعة، بل ومحبذة، طالما أنها تكافأ بعدد من الإعجابات والتعليقات.

يضاف إلى ذلك أن الوعي الأخلاقي بات مهددًا بثقافة الاختزال والسرعة التي تحكم وسائل الإعلام البصري، لم يعد ثمة وقت للتأمل، ولا مساحة للحوار الجاد، كل شيء يستهلك بسرعة، الأخبار، الآراء، المواقف، وحتى القيم.

بات الانفعال هو المعيار، والرد السريعلا العميق هو ما يكافأ، حتى لو افتقر إلى المنطق أو البصيرة.

الإعلام اليوم لا ينقل الخبر فقط، بل يوجه الرؤية، ويعيد تشكيل اللاوعي الجمعي، عبر الدراما والإعلانات والمحتوى الترفيهي، الذي يقدم نماذج جديدة للجمال، والنجاح والعلاقات والحرية، في عملية هادئة لكنها فعالة لاختطاف المفاهيم.

ما تحمله الأجيال الجديدة من اضطراب قيمي، لا يجب أن يفهم فقط بوصفه انحلالًا أخلاقيًا، بل كأعراض لفقدان المرجعيات، الجيل الذي يتلقى تصوره عن الحياة من مقاطع تيك توك وإنستغرام،دون مهارات نقدية أو أدوات تحليلية، لا يستطيع أن يميز بين الغث والسمين، أو بين القيم الحقيقية وتلك المزيفة.

لا يكفي أن نلوم هذا الجيل، أو نحمله مسؤولية ما نشهده، بل يجب أن نسأل: ماذا قدمنا له من بدائل؟، ما الأدوات التي زودناه بها ليصمد أمام طوفان الاستهلاك الرقمي؟، وهل ما زلنا نمتلك نحن الكبار تلك المرجعيات التي نتباكى على غيابها؟

فليس من المنطقي أن نرفض الحداثة الرقمية أو نغلق أعيننا عن تحولات العصر، بل من الحكمة أن نعيد التفكير في أدواتنا، ومناهجنا وخطابنا، لتتلاءم مع الواقع الجديد دون أن تتخلى عن جوهرها القيمي.

فلا يمكن أن نواجه ثقافة السوق بأدوات الرقابة والمنع فقط، المطلوب هو الانتقال من منطق الحظر إلى منطق الحضور، على صناع القرار أن يدعموا مشاريع إعلامية وفنية تقدم نموذجًا قيميًا بديلًا وجذابًا وعميقًا، وغير وعظي، يربط بين روح العصر وجوهر الإنسان.

لذا يجب أن نعلم أبناءنا منذ الصغر مهارات التمييز القيمي، والتحليل الإعلامي، وتفكيك الخطاب الرقمي، بدل الاكتفاء بالمواعظ والنصائح الأخلاقية، فبدون عقل نقدي حي لن يستطيع الجيل الجديد مقاومة ثقافة الانفعال والاستهلاك.

الفضاء الرقمي لا يمكن تجاهله أو منعه، بل علينا أن نقتحمه بوعي واستراتيجية، نحتاج إلى مثقفين ومبدعين قادرين على إعادة تشكيل الخطاب القيمي داخل هذا الفضاءلا خارجه، من لا يشارك في صناعة الثقافة، لا يملك الحق في الشكوى من نتائجها.

إن التحدي الأخلاقي الذي نواجهه اليوم لا يكمن فقط في أن القيم تتغير، فهذا أمر طبيعي، بل في أن آليات التغيير خرجت من يد المجتمع إلى يد السوق، ومن يد المفكر إلى يد المؤثر، ومن مساحات التأمل إلى شاشات الاستهلاك.

وما لم نعد نحنكمجتمع، ومؤسسات، وأفراد، امتلاك أدوات إنتاج القيم، فإننا سنبقى مجرد مستهلكين لها، لا شركاء في صياغتها.

زر الذهاب إلى الأعلى