هل تعرّضت ليبيا وقيادتها للخداع الاستراتيجي؟

بقلم/ عبدالله الربيعي
الموضوع قيد البحث. الخداع الاستراتيجي يعني إيهام الخصم بعكس ما يخطط له من نوايا، والانقضاض عليه في اللحظة المواتية على المستويين المحلي والدولي. فهل استخدم الغرب — وخصوصاً الولايات المتحدة وبريطانيا — استراتيجية الخداع بعدما تخلّصت ليبيا من قضية لوكربي وتسليمها لمعدات وصنع أسلحة الدمار الشامل؟ يبدو أن ليبيا مقابل ذلك تلقت تطمينات بالقبول في ما يسمى المجتمع الدولي ورفع كل العقوبات الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية، وإلغاء حالة العداء ورفع كل القيود، والتوقف عن التخطيط لتهديد النظام أو قلبه. بعد سنوات من الإقصاء والعقوبات والنبذ والمقاطعة، أصبحت ليبيا لقاءً لكل دول العالم وعضواً فاعلاً في الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية، ووصل بها الحال إلى عضوية غير دائمة في مجلس الأمن وترؤسها للجمعية العامة للأمم المتحدة.
من يتابع المشهد السياسي بعد عام 2000 يلحظ أن ليبيا ربما كانت ضحية مخطط طويل يهدف إلى خداعها لا احتوائها. استُعيدت العلاقات مع الغرب وحُلّت الملفات العالقة بحجة تعويض ما يسمّيه الغرب “العمليات الإرهابية” المنسوبة لليبيا خلال عقد الثمانينيات — من سقوط طائرة بان أم الأمريكية إلى طائرة يو تي إيه الفرنسية إلى ملهى برلين — وتسليم برامج أسلحة الدمار الشامل وتطوير الصواريخ طويلة المدى، مع وعد بضمان سلوك دولي سلمي.
الهدف آنذاك كان أوسع من ليبيا: احتلال وتدمير العراق، تحييد عناصر قد تُعدّ تهديداً للمصالح الغربية في المنطقة، وإعلان ما عُرف لاحقاً بسياسة “الفوضى الخلاقة” كما صرّحت بها قيادات غربية وُصفت بأنها ولادة شرق أوسط جديد. في ظل هذا السياق الإقليمي والدولي، كانت البيئة مواتية لعبور مشاريع التغيير وتصدير نماذج سياسية واقتصادية تكرّس الانفتاح على السوق والديمقراطية بنسختها الغربية.
لفهم المسألة ببساطة: الخداع لغوياً يعني إظهار خلاف ما تُخفيه الأشياء. والخداع الاستراتيجي عسكرياً هو مجموعة إجراءات متناسقة تُخفي استعدادات لشن هجوم مفاجئ، أو تضليل الخصم عن نوايا حقيقية. فاعلية الخداع مرتبطة بمهارة صانعه وبتقبّل الملتقى للرسالة الخادعة، وبتحجيم كل من يكشفها أو يحذر منها.
للأسف، كانت لدى ليبيا بيئة داخلية وخارجية سمحت بانتشار رسائل الانفتاح والعولمة والدعوة لبناء مؤسسات المجتمع المدني وحقوق الإنسان وفقاً للنموذج الغربي، وأن الخصوصيات القومية يجب أن تتكيف، وأن الانتقال للسياسات السوقية والديمقراطية الانتخابية هو السبيل الوحيد للتقدّم. جرت حوارات تمهيدية لدخول ليبيا نادي الدول المقبول غربياً، وسيطر على مسارها التيار الليبرالي الذي مثّلته فِئات من أساتذة الاقتصاد والعلوم السياسية وشخصيات عامة أخرى. بدا أن واشنطن ولندن لم تجدا صعوبة في فرض شروط الحوار لأن الطرف الليبي الذي كان في موقع التفاوض كان إلى حدّ كبير في نفس الخانة الأيديولوجية والأهداف المنشودة.
وللأسف أيضاً، كان من يجمع المعلومات ويقدّم التحليل لصناع القرار في ليبيا — في الخارجية وجهاز الأمن الخارجي — هم موظفون أحيانا كانوا جزءاً من مشروع الاختراق الثقافي والسياسي، وفتحت هذه الخانة فجوات معلوماتية ومفاهيمية. النتائج ظهرت لاحقاً في ارتياح الغرب وبناء علاقات رسمية ثم اندلاع أحداث لم تكن ليبيا مستعدة لها: حالة ارتباك ومفاجأة على مستوى القيادة، وضعف استعداد لمواجهة تحولاتٍ فاجأت المؤسسة السياسية والأمنية، وما تزال آثار تلك الصدمات تؤثر في بعض أوجه المشهد الليبي حتى اليوم.
الخلاصة: ثمة مؤشرات قوية تدعم فرضية أن ليبيا وقيادتها تعرّضتا إلى خداع وتضليل ممنهج على مدى سنوات؛ خداع استراتيجي تماشى مع مصالح إقليمية ودولية أوسع من حدود ليبيا، واستثمر عوامل داخلية وخارجية لتطويقها واحتوائها ثم استبدال دورها. ومع ذلك، ينبغي الاستمرار في مراجعة الأدلة وتحليل السياسات والأحداث بمنهجية دقيقة لتحديد المسؤوليات وفهم آليات الخداع، حتى لا تتكرر التجربة مع دول أو قوى أخرى.
