مقالات الرأي

غزة بين وحشية نتنياهو واستحقاقات المنطقة

 بقلم/ محمد علوش

تسابق حكومة بنيامين نتنياهو الزمن، وكأنها في سباق محموم مع عقارب الساعة، لتصل إلى الذكرى الثانية لهجمات السابع من أكتوبر وقد فرضت واقعًا جديدًا في قطاع غزة، لكنها، في اندفاعها الأهوج، لا ترسم طريقًا إلى انتصار سياسي بقدر ما ترسم لوحة قاتمة من الدمار والإبادة، إذ تحوّلت العملية العسكرية الأخيرة إلى ملحمة من التدمير الممنهج لما تبقى من مدينة تُحتضر تحت الركام.

في غزة اليوم، يرفع منسوب الإبادة الجماعية، وتطوى آخر ما تبقى من صفحات النظام الصحي، ويترك المرضى والجرحى لمصيرهم، فيما يضطر مئات الآلاف إلى النزوح جنوبًا نحو مخيمات أنهكها الاكتظاظ وضاقت بأوجاعها، ليطلّ شبح التهجير الجماعي من جديد، ضاغطًا على مصر بين موقفها الوطني الرافض للتوطين وبين حاجتها لأن تظل وسيطًا لا غنى عنه في معادلات المنطقة.

قد تمنح هذه الحرب نتنياهو وحكومته بعض المكاسب اللحظية، لكنها في جوهرها مقامرة سياسية محفوفة بالمخاطر، فكل يوم إضافي يطيل أمد العدوان، وكل قطرة دم فلسطينية تسيل، وكل بيت ينهار على ساكنيه، إنما يفتح الباب على أزمات داخلية أعمق في إسرائيل، حيث يتآكل الإجماع وتتصاعد المعارضة ويزداد الشعور بأن القيادة السياسية تجرّ البلاد نحو هاوية بلا قاع، وبالتوازي، فإن أوروبا ومنظمات حقوق الإنسان لم تعد قادرة على التواطؤ أو الصمت، بل راحت نبرة الانتقادات ترتفع، مترافقة مع تهديدات بفرض عقوبات وتجميد صفقات تسليح، بما يضع تل أبيب على عتبة عزلة دولية متنامية.

وفي مواجهة هذه الوحشية، ينهض شعبنا الفلسطيني في غزة بما تبقى من أنفاسه، متشبثًا بحق الحياة وحق الأرض وحق الكرامة، رافضًا أن يتحول إلى مجرد رقم في سجلات الأمم أو عنوان في نشرات الأخبار، وإنّ شعبنا، برغم الجراح، يجسد اليوم أعمق معاني الصمود، ويعيد تعريف معنى البقاء في وجه آلة الموت المتغطرسة.

ومن هنا جاءت القمة العربية ـ الإسلامية الطارئة في الدوحة، كردّ فعل على القصف الإسرائيلي الذي أوقع قتلى بينهم مواطنون قطريون، لتؤكد أن العدوان تجاوز حدود غزة ليطرق أبواب المنطقة بأسرها، وصحيح أن القمة لم تبلغ أقصى المدى بقرارات قاطعة مثل تجميد العلاقات أو إغلاق الأجواء، لكنّها دشّنت منعطفًا في التفكير الجماعي العربي والإسلامي، عبر الدعوة إلى مراجعة العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع إسرائيل، وتفعيل آليات الدفاع المشترك، وهي خطوة لا تغيّر الموازين على الفور، لكنها تفتح كوة في جدار الصمت وتذكّر بأن أوراق الضغط ما زالت قائمة إذا ما توفرت الإرادة.

وفي موازاة ذلك، جاءت زيارة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى الدوحة لتكشف حقيقتين: الأولى أن سياسات حكومة نتنياهو لم تعد شأنًا داخليًا إسرائيليًا، بل تحولت إلى عبء ثقيل على الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، والثانية أن فشل الهجوم الإسرائيلي الأخير لم يعد قابلًا للتغطية، بل بات إخفاقًا استراتيجيًا يذكّر بوقائع تاريخية مؤلمة، مثل تفجيرات “البايجرز” في لبنان، التي ما زالت ترنّ أصداؤها في الذاكرة الإقليمية.

إن أي قراءة منصفة تفرض الاعتراف بأن الغطرسة العسكرية الإسرائيلية لم تعد تصنع ردعًا ولا هيبة، وأن تجاهل تصدّع قنوات التواصل الإقليمي لم يعد ممكنًا، غير أن المشكلة تبقى في أن فاتورة هذا التخبط الإسرائيلي ـ الأمريكي يدفعها شعبنا الفلسطيني بالدرجة الأولى، بدمائه وبيوته وأحلامه، ومع ذلك، فإن اللحظة الراهنة، بكل ما تحملها من دماء ومجازر، تعيد صياغة المعادلات، فمن تحت الركام تولد الحقائق الأكثر عنادًا، ومن بين صمت العالم تتشكل إرادة الشعوب التي لا تهزمها آلة ولا يطويها موت.

زر الذهاب إلى الأعلى