مقالات الرأي

ليبيا.. تراجيديا إغريقية بين الحزن الدائم والفرح المؤقت

بقلم/ عبد الله ميلاد المقري 

في قلب الوطن، تتقاطع دماء الأجداد مع أحلام الشباب، لتكتب ليبيا فصلًا مأساويًا من تراجيديا التاريخ العربي. 

ليبيا اليوم تعيش تراجيديا حقيقية، تشبه التراجيديا الإغريقية القديمة، حيث الحزن دائم والفرح مؤقت. تتلاقى هنا مفاهيم الزمن والتاريخ والوطن والفوضى في نقطة فارقة، مركزية الصراع بين الحق والباطل، بين المجد والعار، بين الضوء والظلام. إنها لحظة اختبار للوعي الوطني، إذ كتبت الأجيال السابقة تاريخ ليبيا بدمائها، لتبقى جزءًا حيًا من ذاكرة الشعب والأمة العربية. 

الواقع يكشف غياب ليبيا عن شعبها، وفصلها عن تاريخها النضالي تحت سلطة سياسية فاسدة، تتكالب عليها القوى الخارجية والذئاب الداخلية بعد انهيار القيم العربية الجامعة. كانت الوحدة العربية والدفاع عن فلسطين والتكامل الاقتصادي بين الأقطار العربية مفاتيح للارتقاء بالأمة، لكن هذه الرؤية تلاشت أمام الانقسامات والفساد والخذلان. 

الشباب العربي بدأ يشعر بحجم المأساة: النكوص، الانصياع للعدو الخارجي، وانعدام إرادة وطنية ناضجة. ليبيا اليوم تبدو جسدًا مريضًا، غير قادر على التعافي ما لم تُعالج جذور الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي تغرس سمها في بنية الدولة يوميًا. التدخل الخارجي مستمر؛ فتركيا، التي احتلت ليبيا في قرون مضت، تعود اليوم لاستعادة مركز مهم في شمال أفريقيا، محاولة إحياء ما يمكن تسميته بالإمبراطورية التركية الثالثة. 

هذا الواقع يعكس هشاشة الدولة الليبية أمام القوى الخارجية، ويؤكد أن التحديات تتجاوز الداخل لتصبح جزءًا من صراع إقليمي واسع. ليبيا بهذا الواقع تبدو كدراما وطنية مستمرة، تروي مأساة شعبها وتعكس هشاشة الإرادة العربية أمام تحديات التاريخ والسياسة والجغرافيا. 

وبين الحزن الدائم والفرح المؤقت، يبقى الأمل معلقًا في قدرة الشعب الليبي على استعادة وعيه الوطني، توحيد صفوفه، وكتابة فصل جديد من تاريخ الأمة العربية، يليق بتضحيات الأجداد وطموحات الشباب والأمل واضح في عيون الشيوخ والنساء وفي صيحات الشباب وهم يهتفون بثورتهم العظيمة (العيد 54 الفاتح العظيم) التي لم يعشها بعضهم عمريا، بل انتقلت إلى قلوبهم عاطفيا لتنسجم مع التاريخ سيرة قائدها وإرادة مناضليها ليكون المثل التاريخيّ الذي يحقق الأحلام والأهداف، فمن قلب المأساة يولد الأمل.

زر الذهاب إلى الأعلى