مقالات الرأي

في معركة الأفيال يسحق النمل

بقلم/ محمد بوخروبة 

مثل إفريقي قديم، يلخص بحكمة عميقة حال الأمم الصغيرة حين تبتلى بصراع الكبار..

وفي خضم ما يشهده العالم من صراعات كونية مفتوحة، وأخرى إقليمية متشابكة، يقف الوطن العربي مثالًا حيًّا للنملة التي تدفع ثمن معارك لا تملك قرار اندلاعها، ولا القدرة على وقفها، ولا حتى رفاهية الحياد أمامها.

فما الذي تبقى من الوطن العربي في زمن تتناطح فيه الأفيال؟ وما موقعه في عالم تتصارع فيه القوى الكبرى على النفوذ، وتعيد رسم الخرائط، فيما العرب ممزقون بين الولاءات والتبعيات والانقسامات الداخلية؟ هل ما زال للعرب موضع قدم في ميزان التاريخ، أم أنهم صاروا، بحكم الواقع والتقاعس والتواطؤ، حطبًا في مواقد الآخرين؟

العالم اليوم يعيش تحولات جيواستراتيجية كبرى، من جهة، هناك الولايات المتحدة التي تحاول التمسك بأحادية القطب، رغم كل مظاهر التراجع البنيوي في نظامها الداخلي وخارجها، ومن جهة أخرى، تنهض الصين بثبات، مسلحة باقتصاد لا يعرف التباطؤ، وبمشروع عالمي طموح كـطريق الحرير الجديد.

وفي الزاوية الأخرى، تتسلل روسيا من بوابة الحروب والفراغات، لتحجز لنفسها مكانًا في لعبة إعادة التوازن الدولي، مستفيدة من ضعف الغرب وتردده.

هذه القوى تتصارع، لا بالسيوف، بل بالوكالة، وبالاقتصاد، وبالإعلام، وباستغلال هشاشة الدول الهامشية، وما العالم العربي إلا رقعة رخوة في هذا المشهد، حيث تتحول أراضيه إلى ساحات اختبار، وثرواته إلى غنائم، وأمنه القومي إلى عبء تتداوله الأيادي الأجنبية.

لو كانت الدول العربية كتلة واحدة، لربما وقفت على قدم المساواة، أو فرضت حضورها في لعبة الأمم، لكن الواقع أن هذا النمل العربي، الذي يبلغ تعداده أكثر من 400 مليون إنسان، أضعف بفعل داخلي قبل أن تدهسه الأفيال.

العرب اليوم يتوزعون على خرائط متكسرة.. دول غارقة في الحروب والصراعات مثل سوريا، اليمن، ليبيا. ودول مهددة بالتقسيم مثل العراق، السودان، لبنان، ودول مكبلة بالتطبيع ومرتهنة للتحالفات، بعض دول الخليج والمغرب، ودول تعيش وهم الاستقرار الظاهري، فيما تعاني من القمع، وغياب العدالة، والتبعية الاقتصادية والسياسية.

لقد تحول العالم العربي إلى فسيفساء ممزقة، لا يجمعها مشروع، ولا يحكمها منطق، ولا يربطها ميثاق فعلي، جامعة الدول العربية تحولت إلى أرشيف مهمل، بلا تأثير، ولا حتى رمزية.

والمواطن العربي، بين القمع الداخلي والاستلاب الخارجي، صار نملة خائفة، تسير في الحقول بين أقدام الأفيال، لا تعرف متى يسحق حلمها، أو يستباح وطنها.

منذ عام 1948، وفلسطين مثال صارخ على سحق النمل في معركة الأفيال، العالم يصوغ المعادلات الكبرى، ويتبادل المصالح، فيما الشعب الفلسطيني يدفع ثمن صفقات القرن، والتطبيع، والانقسام، والتخاذل.

في كل مرة يعلن فيها مشروع سلام، تولد مجزرة، وفي كل مرة يعقد فيها تحالف إقليمي، تسفك دماء الأطفال، وفي كل مرة تتنافس فيها القوى الكبرى على النفوذ في الشرق الأوسط، يكون الفلسطيني أول الضحايا، بلا جيش يحميه، ولا منظومة عربية تصد عنه آلة القتل، ولا حتى سردية إعلامية تحترم تاريخه النضالي.

ومثلها غزة اليوم، نملة صغيرة في وجه آلة عسكرية عمياء، لا تعبأ لا بحق، ولا بإنسان، ولا بقانون.

لم تشفع الثروات الهائلة للعرب في حمايتهم، فالنفط العربي، بدلًا من أن يكون سلاح تنمية واستقلال، تحول إلى مطمع دولي، وسبب في تحويل بعض الدول إلى محميات سياسية، فغزو العراق لم يكن إلا تظهيرًا لأطماع الأفيال في آبار البترول، والسيطرة على الموانئ والمضائق لم تكن إلا لفرض الهيمنة على مسارات الطاقة، وكل تقاطع أمريكي أو صيني أو روسي في الخليج، يمر من أنابيب الغاز والنفط العربي، لا من بوابة الحقوق أو التحالفات العادلة.. وهكذا، يسحق النمل مرتين، مرة حين تسرق ثروته، ومرة حين يزج به في معارك لا شأن له بها، تحت لافتة التحالف، أو الحماية، أو الشرعية الدولية.

الأسئلة الكبرى تطرح اليوم بحدة.. إلى متى سيبقى العرب ساحة صراع لا طرفًا فاعلًا فيه؟ ومن يعيد ترتيب الأولويات العربية على أساس المصلحة المشتركة، لا على وقع الإملاءات الأجنبية؟

وهل يملك العرب إرادة سياسية حقيقية للتوحد، أو حتى للتنسيق الفعال، في ظل هذا الإعصار الدولي؟

الجواب ليس يسيرًا، لكنه يبدأ من الاعتراف بأن المعضلة ذاتية بقدر ما هي خارجية، فالعجز العربي ليس فقط بسبب ضغط الخارج، بل أيضًا بسبب استبداد الداخل، والارتهان للغرب لم يأتِ فقط من ضعف القوة، بل من خيانة الإرادة، وغياب المشروع العربي لم يفرضه أحد، بل هو نتيجة قرارات داخلية، وتواطؤات، وتسويات باهظة الثمن.

في معركة الأفيال يسحق النمل.. هذا صحيح.. لكن النمل حين يدرك حجمه، ويتكاتف، ويحسن بناء بيته، ويستعيد وعيه التاريخي، يمكن له أن يربك الأفيال ذاتها.

العرب لا تنقصهم الموارد، ولا التاريخ، ولا الحضارة، ولا الجغرافيا، ما ينقصهم هو مشروع جامع، وقيادة واعية، وإرادة تحرر من التبعية.. وما لم يتحول هذا الإدراك إلى فعل، فسيظل الوطن العربي مجرد ساحة عبور، ونملة أخرى في سجلات الصراع العالمي، تسحق كلما مرت معركة من فوقها.

زر الذهاب إلى الأعلى