رحيل الزعماء.. حين يغيب الكبار وتبقى الأسئلة

بقلم/ محمود امجبر
في زمنٍ تتشابه فيه الوجوه على شاشات الحكم، وتغيب فيه المواقف الجريئة، يفتقد العالم اليوم طينةً من الزعماء الذين لم يكونوا مجرد قادة دول، بل رموزًا للنضال، وصناعًا للتاريخ، ومُلهمين لحركات التحرر في الجنوب العالمي. من كوبا إلى جنوب إفريقيا، ومن القاهرة إلى بغداد، ومن طرابلس إلى بوليفيا، تتقاطع سِيَر رجالٍ تركوا بصماتهم على صفحات الكفاح الإنساني، ورحلوا تاركين خلفهم إرثًا من الأسئلة والحنين.
تشي جيفارا… المحرر الذي أُسيء فهمه
في قلب الثورة الكوبية، كان الطبيب الأرجنتيني أرنستو “تشي” غيفارا هو الشعلة التي أضاءت طريق التحرر. حرر مدينة سانتا كلارا بعد أن هزم قوات الديكتاتور باتيستا، وسلّمها لرفيقيه فيديل وراؤول كاسترو، ثم دخل هافانا فاتحًا. لكن بعد أن سطع نجمه دوليًا، خاصة في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1964، بدأت الشكوك تحوم حوله داخل القيادة الكوبية.
غادر كوبا طواعية إلى الكونغو، ثم إلى بوليفيا، حيث اغتيل عام 1967. ورغم التوترات، يُحسب لفيديل كاسترو أنه لم يتورط في تصفيته، بل استمر في دعم حركات التحرر، خاصة في إفريقيا، حيث كان لتشي حلمٌ لم يكتمل.
لقاء الكبار: كاسترو ومانديلا
من أجمل مشاهد التاريخ تلك التي جمعت الزعيم الكوبي فيديل كاسترو بالمناضل الإفريقي نيلسون مانديلا. لقاء بين رجلين حملا راية التحرر، وتشاركا الإيمان بعدالة القضية.
كاسترو دعم حركات التحرر بالمال والسلاح والتدريب، ووقف إلى جانب الشعوب المستضعفة. أما مانديلا، الذي ذاق مرارة السجن والتعذيب، فقد انتصر لشعبه ضد نظام الفصل العنصري، وأصبح رمزًا عالميًا للعدالة والمصالحة.
اليوم، إفريقيا بحاجة إلى “مانديلا جديد” يعيد إليها استقلال القرار، ويواجه الحكومات الموالية للمستعمرين، في زمنٍ تتراجع فيه السيادة أمام المصالح العابرة للحدود.
جمال عبدالناصر.. مشروع الأمة العربية
في مصر، برز جمال عبدالناصر كقائد ثوري أعاد تشكيل هوية الدولة المصرية والعربية. ألغى الملكية وأعلن الجمهورية عام 1952، وأنهى الاحتلال البريطاني، وأمم قناة السويس عام 1956، في خطوة تحدَّت القوى الاستعمارية الكبرى.
أطلق مشاريع الإصلاح الزراعي، وبنى السد العالي، وعزز التعليم والصحة، وأسّس الجمهورية العربية المتحدة مع سوريا، ولعب دورًا محوريًا في حركة عدم الانحياز. لم يكن ناصر مجرد رئيس، بل حاملًا لحلم الوحدة العربية، الذي لا يزال يُلهم الكثيرين رغم تعثره.
معمر القذافي.. جدلية الثورة والدولة
في ليبيا، العقيد معمر القذافي جمع بين الثورة والزعامة، وبين الطموح القومي والجدل السياسي. أمّم النفط، ورفع مستوى المعيشة، وجعل ليبيا من أغنى دول إفريقيا. أطلق نظام “مؤتمر الشعب”، وألغى الضرائب على الأساسيات، وساهم في تعزيز المساواة.
دعم القضية الفلسطينية، ورفض التطبيع، وساند المجاهدين في عدة دول. وسعى إلى توحيد العرب عبر تأسيس اتحاد المغرب العربي، رغم الانتقادات التي لاحقته داخليًا وخارجيًا. كان القذافي زعيمًا لا يشبه أحدًا، ومشروعه الوحدوي ظل حلمًا مؤجلًا.
صدام حسين.. المواجهة الصلبة مع الهيمنة الغربية
في المشهد السياسي العربي، برز #صدامحسينالمجيد كأحد أكثر الزعماء إثارة للجدل، لكنه أيضًا كان من أكثرهم تحديًا للنفوذ الغربي والصهيوني. خلال فترة حكمه من 1979 حتى 2003، تبنّى خطابًا قوميًا صارمًا، وواجه الولايات المتحدة وإسرائيل في أكثر من محطة.
في حرب الخليج الثانية عام 1991، أطلق صواريخ سكود على إسرائيل، في خطوة رمزية اعتبرها كثيرون تعبيرًا عن رفض التطبيع ودعمًا للقضية الفلسطينية. رفض الانصياع للسياسات الأمريكية، وواجه حصارًا اقتصاديًا خانقًا دام أكثر من عقد، لكنه ظل متمسكًا بخطابه المناهض للإمبريالية.
العراق في عهده كان من أبرز الداعمين للفصائل الفلسطينية، وخصص مساعدات لعائلات الشهداء، ما جعله يحظى بشعبية واسعة في الأوساط العربية. ورغم الانتقادات، ظل صدام حسين يمثل بالنسبة إلى كثيرين نموذجًا للزعيم الذي لم يساوم على قضايا الأمة، حتى لحظة سقوطه ومحاكمته المثيرة للجدل، التي انتهت بإعدامه عام 2006.
هل نرى زعماء مثلهم مجددًا؟
رحل فيديل كاسترو، آخر الرجال الذين تحدوا الاستعمار الأمريكي، وصمدوا أمام الحصارات والتجويع. رحل مانديلا، ناصر، القذافي، وصدام… رجالٌ سيذكرهم التاريخ، لا لأنهم حكموا، بل لأنهم ناضلوا، وواجهوا، ورفضوا أن يكونوا مجرد أدوات في يد القوى الكبرى.
ويبقى السؤال معلقًا في وجدان الشعوب: هل نرى مجددًا زعماء يحملون همّ الأمة، ويواجهون الاستعمار الجديد بأشكاله الاقتصادية والسياسية، أم أن على الدنيا السلام؟
