تونس والصراع مع الإمبريالية: عندما تكون كلمة الحق هي الجريمة

بقلم/ ناصر سعيد
في الأروقة المغلقة للكونغرس الأمريكي، حيث تُحاك المؤامرات وتُصنع القرارات التي تُقوِّض سيادة الدول، يُطبخ حاليًا مشروع قانون يُسَمَّى زورًا وبهتانًا “استعادة الديمقراطية في تونس”، لكن حقيقة هذا المشروع ليست سوى سيف مسلط على رقبة إرادة شعب، وعقوبات قاسية تُهدد بخنق اقتصاد دولة تجرأت وقالت كلمة الحق في زمن الخنوع والصمت.
الهدف الواضح هو الرئيس قيس سعيد، تحت ذريعة “عرقلة المسيرة الديمقراطية”. لكن الذريعة لا تخفي الحقيقة؛ لقد استُهدف لأنه وقف بشجاعة نادرة في زمن الانبطاح، ورفع صوته ضد الإبادة الجماعية في غزة، نازعًا قناع الشرعية عن جرائم الحرب، فكان الثمن أن يصبح في مرمى نيران الإمبريالية الأمريكية التي لا ترى في العالم إلا خادمًا مطيعًا أو عدوًا يجب إسقاطه.
هذه السياسة ليست جديدة، بل هي منهج ثابت، إنها نفس لعبة العقوبات التي دمرت العراق وليبيا واليمن وسوريا، وعرضت شعوبها للمجاعة والدمار، المعادلة الأمريكية بسيطة “إما الخضوع الكامل لسياساتها، وإما الفوضى والدمار”.
تريد واشنطن اليوم أن تصدر لتونس نموذج “الديمقراطية” نفسه الذي جربته تلك البلدان، فلم تجد فيه شعوبها سوى الدمار والفساد وسيطرة “أراذل القوم” من العملاء والميليشيات، إنها “ديمقراطية” تفتح الباب على مصراعيه للصوص لنهب ثروات البلاد، وتُهوي بالعملة الوطنية إلى الحضيض، وتخلق أزماتٍ مصطنعة تهدد قوت الشعب من الخبز إلى الدواء.
ما يُحاك لتونس هو جزء من سلسلة طويلة من المؤامرات التي تستهدف الأمة العربية بأسرها، من غزو العراق إلى حروب الربيع العربي المدمرة، المسلسل واحد، والمخرج واحد “صناعة الفوضى، وتفكيك الدول، وإسقاط القيادات الوطنية، وتركيع الشعوب عبر تجويعها وإذلالها”.
ولكن الرسالة إلى واشنطن وحلفائها يجب أن تكون واضحة: لقد فات أوان التهديد، شعوبنا العربية لم تعد تخاف العقوبات، فقد رأت مصير من سبقها، وأدركت أن “السيادة لا تُباع بالدولار”، الشرفاء يبقون أحياء في ذاكرة التاريخ حتى وإن قُتِلوا، بينما العملاء والخونة مصيرهم مزبلة التاريخ.
ما تقوده تونس اليوم هو معركة كرامة وسيادة، وهي معركة كل عربي حر، مؤيدًا كان للرئيس أم معارضًا، فهي ليست معركة شخص، بل هي معركة أمة ضد مشروع استعماري جديد بقناع “ديمقراطي” مزيف.
إن الدفاع عن تونس هو دفاع عن كرامة كل العرب وسيادتهم، إنها لحظة الحقيقة التي يجب أن يتوحد فيها كل التونسيين، بغض النظر عن انتماءاتهم، لمواجهة هذا التدخل السافر.
ستخرج تونس من هذه العاصفة أقوى مما كانت، لأن إرادة الشعوب أقوى من كل التهديدات. عاشت تونس عربية مستقلة، وشامخة بشعبها وقيادتها.
