مقالات الرأي

الألسنية العامة بين الفلسفة والمنطق.. المداخلة الأولى: في اللاهوت 8 

بقلم/ مهدي امبيرش 

مرارًا تم التأكيد، سواءً تحت هذا العنوان أم العناوين الأخرى التي كتبنا تحتها في هذه الصحيفة، على أن المشكلة الأساس منذ آدم وزوجه حتى الآن هي مشكلة معرفية، وأولى مظاهر هذه المشكلة هو جهل الإنسان نفسه. 

لقد ذكرنا في المقالات السابقة أن آدم عليه السلام مر بأطوار تفوقية إلى أن صار إنسانا بعد أن نفخ الله فيه من روحه، فصار قادرًا على التفكير، بما في ذلك قدرته على تجاوز المعقول، حتى أنه، وهو الذي خُلقَ ليكون مستخلفا في الأرض ويحقق الخلود من خلال أبنائه توهَّم أنه بالإمكان أن يصير خالدًا، وأن يكون له ملك لا يبلى. لقد ذكرنا أن آدم أسكن الجنة، وأن الجنة على الأرض، وسميت جَنة لأنها جُنت علينا واختفت، كالمخلوقات التي نقول عنها الجن والتي سكنت الأرض قبل خلق الإنسان، هنا نسي آدم أن له رسالة في إعمار الكون، وأن السكن المؤقت في الجنة التي هي على الأرض كان بمثابة الإعداد لينهض بدوره وابناه للقيام بمهمة الاستخلاف. 

إن المشكلة الأساس إذًا أن آدم وزوجه نسيا هذه الحقيقة الإلهية في الخلق، كما أنه أخطأ إضافة إلى ذلك وهو خطأ في منهج التفكير عندما توهم أن المحدود يوصل إلى المطلق، والذي جاء نتاج توهمه أنه وهو المحدود يمكن أن يكون خالدًا، فعلى الرغم من أن الله نهاه أن يأكل من ثمار الشجرة المحرمة التي كان تحريمها بمثابة الاستفزاز، كما أنها تمثل بداية الوعي بالذات والزمان والمكان، والتي هي من أكبر المشكلات التي ولدت الكثير من الإشكاليات حتى اليوم.

لقد ذكرنا أن تعري آدم وزوجه كان بمثابة الانكشاف، إضافةً إلى بداية مشروع الولادة، ويكون التعري والهبوط هو بداية مشروع الاستخلاف. هما يمكن أن نؤسس على الذي سبق أن قلناه مرارًا بأن المشكلة في الأساس كانت ولا تزال مشكلة معرفية. لقد كان تعليم آدم الأسماء كلها، والربط من خلال هذا التعليم بين الاسم والمسمى هو نفسه واحدة من المشكلات التي عاشها ويعيشها أبناؤه إلى الآن، ولا أظنهم بمنجاة منها. 

إن اللاهوت الذي تكلمنا عنه كثيرًا هو نتاج هذه المشكلة، فقراءتنا لمشكلة الإنسان والعلاقة بين الاسم والمسمى هي التي أوجدت في بداية التفكير الإنساني ما يسمى عند البعض بالخرافات والأساطير، وإن كانت هذه الخرافات والأساطير، على الرغم من استهانة الكثير من المفكرين حتى الآن فإنها بحق هي بداية التفكير الفلسفي، بل يمكن القول إن الإنسان لا يزال يفكر أسطوريًا وخرافيًا، وإن الكثير من الشعوب والأمم كانت ولا تزال تعيش بهاتيك الخرافات، وإن الأسطورة ليست سواء واقعةٍ يتم الإغراق فيها، بل إن ما يسمى بالآلهة التي قرأناها في سومر القديمة مثل الإله آنكي أو جلجامش أو آمون ليسوا سوى الأبطال المتميزين الذين قاموا بأعمال خارقةٍ قياسًا بزمنهم، بل إن هذا التأليف لا يزال قائمًا إلى اليوم وإن اتخذَ صورًا وأشكالًا متعددة سواءً في المقدس والمدنس في العبادات الطوطمية أم القوانين الوضعية التي لا تخرج عن هذا المسار في ترسيخ الثنائية التي تبرر الصراع أو البحث عن الوسيط الذي يفصل بين الضدين أو الشكل الشمولي الذي يسمح بالضدين بالبقاء داخله أو في هذا التشظي الذي نقرأه اليوم في استعادة للنزعة الذرية القديمة في ما يسمى بالاستقلالية والحرية الفردية.

إن هبوط آدم وفق اللاهوت قد قدم لنا الآلهة في السماء مقابل الأرض وإن السماء، كما ذكرنا في المداخلة السابقة هي السكوت والمجرد من المادة مقابل الأرض، الحركة والتغير، ثم تبرز أمامنا اللاهوت فكرة الوسيط الذي يملأ الفراغ وأن الإنسان المؤلَّه، مثل جلجامش هو بمثابة نصف إله، أعلاه مقدس وإلهي وأسفله بشري، وهذا يقود بعدها، ضمن نفس التصور، إلى أطروحات تسمى فلسفية مثل أطروحة أفلاطون التي تسير على نفس النهج في الفصل بين الرأس باعتباره المقدس والبطن باعتباره الشهوات، والصدر الذي يفصل بينهما، والذي يتطور عنده إلى الفصل بين الأرستوقراطي، والدهماء والديموس أو الجماهير أي الحاكم والمحكوم أو معدن الذهب والمعدن الخسيس والوسط بين معدن الذهب والمعدن الخسيس.

وعلى مستوى الخطاب والتنظير اللغوي سنجد الفرق بين الاسم والفعل، وبين أن يكون الاسم إلهيًا ومقدسًا أو أرضيًا ومدنسًا، وهذا ما تدور عليه محاورة كراتيلوس وبعض المحاورات الأخرى التي صاغها أفلاطون في صورة عمل درامي حواري أو (dialogue) بين سقراط نصير الاسم والمقدس والقبلي والمفارق وبين السفسطائيين إن صار الفعل والحركة والتغير، أي بين المدرسة الأيونية في آسيا الصغرى والمدرسة الأيلية، الأولى التي تقول بالحركة والتغير والثانية التي تقول بالسكون، وإن الحركة هي حركة وهمية وكلتاهما تتأسسان على أطروحة هيراقليطس، صاحب المقولة المشهورة، إنك لن تدخل النهر مرتين، وبراميندس الذي يقول بالسكون. على أن إشكالية أخرى قد برزت ضمن ثنائية المقدس والمدنس ولا تزال قائمة حتى اليوم والتي اقتضت التفكير في طقس التطهير الذي سنعرض له عند تناول أفكار سقراط وأفلاطون والنزعة الصوفية (الشامانية) التي تجعلنا نقول إن أفلاطون نفسه قد تحول إلى صوفي بعد أن كان يتحدث عن النومين قريبًا من تحول أبي حامد الغزالي من قاض فقيه يجمع بين المعقول البشري والمنقول الإلهي إلى صوفي.

زر الذهاب إلى الأعلى