الغذاء والاقتصاد.. معركة الليبيين الحقيقية خارج ساحات القتال

بقلم/ عثمان الدعيكي
يشكل الأمن الغذائي أحد أبرز التحديات التي تواجه ليبيا في ظل اعتمادها الكبير على الاستيراد لتغطية احتياجاتها من المنتجات الزراعية والغذائية، حيث تشير التقديرات إلى أن الإنتاج المحلي لا يغطي سوى ربع احتياجات السوق، بينما يعتمد ثلاثة أرباع الاستهلاك على الواردات، خصوصًا في قطاع الحبوب الذي يشكل ما نسبته 74% من إجمالي الواردات الغذائية. ويعني هذا الواقع تسربًا متواصلًا للعملات الصعبة إلى الخارج بما يضغط على الاحتياطي النقدي ويضعف قدرة الدولة على حماية الاقتصاد، وهو ما ينعكس مباشرة على قيمة الدينار الليبي واستقرار الأسعار. ويزداد الأمر تعقيدًا في ظل تقلبات الأسواق العالمية وارتفاع أسعار الغذاء بسبب الأزمات الدولية وسلاسل الإمداد المتعثرة.
ولا يمكن الحديث عن الأمن الغذائي دون التوقف عند مشروع النهر الصناعي العظيم الذي مثل لعقود شريان الحياة المائي في ليبيا. فهذا المشروع الذي يعد الأكبر من نوعه عالميًا لنقل المياه الجوفية غير المتجددة يغطي ما يقارب 70% من احتياجات البلاد من المياه العذبة بمعدل يومي يصل إلى 4 ملايين متر مكعب. غير أن سنوات الصراع وتراجع الصيانة والتعديات غير القانونية على خطوطه جعلته عرضة للأعطال والانقطاعات، وهو ما يهدد استدامة إمدادات المياه سواء للشرب أم للزراعة. ويبرز هنا دور التشريعات والقوانين التي يجب أن تفعل لحماية هذا المورد الاستراتيجي ومنع التعديات عليه وضمان تمويل عمليات الصيانة والتطوير، فضلًا عن أهمية توجيه جزء من مياهه نحو مشروعات زراعية مدروسة تحقق الاكتفاء الجزئي وتقلص الاعتماد على الاستيراد.
وتبقى ندرة المياه عمومًا من أعقد التحديات التي تعرقل تطور الزراعة في ليبيا، حيث إن أغلب الموارد المائية تأتي من خزانات جوفية عميقة غير متجددة، في وقت تستهلك فيه الزراعة أكثر من 80% من المياه المتاحة. يضاف إلى ذلك الطبيعة الهشة للتربة الليبية التي يغلب عليها الطابع الرملي الفقير بالمواد العضوية، ما يجعل إنتاجية الحبوب ضعيفة للغاية مقارنة بالمعدلات العالمية، إذ لم يتجاوز متوسط إنتاج القمح في بعض السنوات نصف طن للهكتار بينما تصل المعدلات العالمية في ظروف مماثلة إلى خمسة أطنان. وهنا تبرز الحاجة الملحة إلى إدخال تقنيات حديثة في الإنتاج الزراعي مثل الري بالتنقيط والدوار المحوري، مع التركيز على تحسين التربة باستخدام الأسمدة العضوية والكيماوية وتشجيع البحث العلمي لتطوير أصناف زراعية تتحمل الجفاف وتلائم المناخ الليبي القاسي.
وإلى جانب تحديات المياه والتربة، تواجه ليبيا خطرًا متزايدًا يتمثل في جرف الأراضي الزراعية وإقامة الأبنية الإسمنتية عليها رغم ندرة الأراضي الخصبة التي لا تتجاوز نسبتها 1% من مساحة البلاد. هذا النزيف المستمر للتربة الصالحة يهدد بإضعاف أي جهود مستقبلية لتعزيز الإنتاج المحلي ما لم يتم وضع حد للتوسع العمراني العشوائي عبر قوانين صارمة تحمي الأرض الزراعية وتوجه الاستثمارات العمرانية نحو مناطق أقل ملاءمة للزراعة. كما أن إعادة استصلاح الأراضي الهامشية يمكن أن يمثل خيارًا مهمًا في حال اقترن بسياسات واضحة وبدعم تقني ومالي.
إن الأمن الغذائي في ليبيا لا يرتبط فقط بوفرة السلع في الأسواق، وإنما يتصل مباشرة بالاستقرار الاجتماعي والسياسي. فحين يعجز المواطن عن تأمين غذائه اليومي بأسعار مقبولة يتزايد مستوى التوتر وتضعف ثقة المجتمع في قدرة الدولة على تلبية أبسط حقوقه. كما أن تطوير الزراعة يمكن أن يمثل منفذًا حقيقيًا لتشغيل اليد العاملة في بلد يعاني من معدلات بطالة تصل إلى نحو 20%، إضافة إلى إسهامه في دعم الصناعات الغذائية والنقل والخدمات اللوجستية وما يتبعها من فرص اقتصادية. وتشير تقارير برنامج الأغذية العالمي إلى أن أكثر من 325 ألف شخص في ليبيا يعانون انعدام الأمن الغذائي بدرجات متفاوتة، بينما يتلقى نحو 52 ألفًا فقط مساعدات مباشرة، وهو مؤشر يعكس اتساع الفجوة بين الحاجة والقدرة على التغطية.
وبين ضغوط الأسواق العالمية وتحديات الداخل تبقى الفرصة قائمة أمام الليبيين لإعادة رسم استراتيجيتهم الزراعية والغذائية على أسس واقعية. فتعزيز الإنتاج المحلي للحبوب والتمور والخضراوات، وصيانة مشروع النهر الصناعي، وتفعيل التشريعات لحماية الموارد الزراعية، واعتماد التقنيات الحديثة في الري والإنتاج، كلها خطوات يمكن أن تسهم في تقليص الفجوة الغذائية وتحقيق قدر من الاستقلال الاقتصادي. إن مواجهة التحديات الحالية تتطلب إرادة سياسية واستثمارات طويلة الأمد، لكن ثمارها ستنعكس على استقرار الاقتصاد وتعزيز قيمة الدينار وخلق فرص عمل وتحصين المجتمع ضد تقلبات الأسواق العالمية، وهو ما يجعل الأمن الغذائي ليس مجرد قضية زراعية، بل قضية استراتيجية ترتبط بمستقبل ليبيا واستقرارها.
