مقالات الرأي

تحالف “بريكس” يضع أسس الانفكاك التدريجي عن الدولار

بقلم/ عثمان الدعيكي

في تحول قد يُعيد رسم ملامح النظام المالي العالمي، اجتمع قادة تحالف بريكس في ريو دي جانيرو خلال يومي 6 و7 يوليو 2025 لإطلاق خطة طموحة تهدف إلى تقليص هيمنة الدولار الأمريكي على التجارة الدولية والمؤسسات المالية العالمية. وتأتي هذه الخطوة في سياق تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة بقيادة الرئيس ترامب ودول بريكس، خصوصًا بعد تلويح واشنطن بفرض رسوم جمركية تصل إلى 100% على وارداتها من دول التحالف.

خطة “ريو” التي أُعلن عنها خلال القمة تقوم على أربعة محاور رئيسية: أولًا، توسيع استخدام العملات المحلية في التجارة بين الدول الأعضاء بدلًا من الدولار، وهو ما بدأ فعليًا بين الهند والصين وروسيا ومصر في بعض القطاعات. ثانيًا، إطلاق مشروع تجريبي لمنصة رقمية تسمح بتسوية المعاملات بين العملات الوطنية كبديل تدريجي عن الدولار، دون أن تكون عملة موحدة حتى الآن. ثالثًا، تعزيز دور بنك التنمية الجديد، الذي بدأ يمنح قروضًا بعملات محلية ويفتح أبوابه أمام دول جديدة تسعى إلى التمويل خارج إطار صندوق النقد والبنك الدولي. وأخيرًا تطوير بديل لنظام “سويفت” الغربي من خلال دمج الأنظمة الروسية والصينية لنقل الأموال، بما يتيح للدول الأعضاء مزيدًا من الحماية من العقوبات الأمريكية.

ورغم أن بعض التقارير تحدثت عن إعادة هيكلة الديون، مثل سداد مصر لقرض الضبعة النووي بالروبل بدلًا من الدولار، فإن هذه الخطوة لم تُعلن رسميًّا بعد، وتبقى مرهونة بمفاوضات مع الجهات المقرضة، وتتطلب ترتيبات قانونية ومالية معقدة. غير أن الرسالة التي خرج بها اجتماع ريو واضحة: لم يعد الدولار العملة الوحيدة القادرة على قيادة النظام المالي العالمي.

في الواقع، لا يزال الدولار يهيمن على نحو 58% من احتياطيات البنوك المركزية، ويستخدم في تسعير الجزء الأكبر من تجارة السلع العالمية، خصوصًا النفط. إلا أن المؤشرات المتراكمة – من اعتماد عملات رقمية محلية، إلى تنامي الثقة في أنظمة تسوية بديلة، إلى الانضمام المتزايد لدول الجنوب إلى منظومة بريكس – تدل على أن العالم بدأ بالفعل مرحلة إعادة التوازن، حتى وإن كانت بطيئة.

قمة ريو لا تعني نهاية الدولار، لكنها ترمز إلى بداية جديدة في طريق طويل نحو نظام مالي عالمي أكثر تنوعًا وأقل تبعية لسياسات الولايات المتحدة. ومع صعود بريكس كتحالف يمثل ما يقارب نصف سكان الأرض، يصبح من المشروع التساؤل: هل بدأ فعليًّا عصر ما بعد الدولار؟

زر الذهاب إلى الأعلى