العقلية الليبية.. جزء من الحل!

بقلم/ عبدالمجيد قاسم
قد يرى الكثيرون، أن العقلية الليبية جزء من المشكل السياسي الذي تمر به البلاد منذ عقد ونيف من الزمان، وليست جزءًا من الحل.
وهذه الرؤية قد يكون لها ما يبررها على صعيد الواقع، فالمأزق السياسي الذي تمر به ليبيا خلقه أفراد، تقاسموا الشرعية بعد انهيار النظام السابق، وتقاسموا القوة، وبات كل منهم على رأس قوة مساوية للأخرى في المقدار، مضادة لها في الاتجاه، فحدث الصراع والتضاد الذي نشاهده حاليًا.
فالأزمة لم تنشأ من فراغ، بل كانت نتاج تقاسم للشرعية والقوة بين أطراف ما بعد 2011م، حتى غدت ليبيا ساحة لصراع بين قوى شبه متكافئة، وباستثناء القوة التي تشكّلت على قاعدة وطنية، هي المؤسسة العسكرية، وتأسست على عقيدة الدفاع عن الوطن من كل تهديد خارجي أو داخلي، ما منحها امتدادًا حقيقيًا للدولة الليبية منذ نشأتها، واليوم، تبسط سيطرتها على نصف البلاد تقريبًا، في الشرق والجنوب؛ فإن بقية القوى قد نشأت كأمر واقع، في غياب قاعدة موحدة، ووقعت أسيرة انتماءاتها المناطقية والإيديولوجية، ففشلت في التوحّد، واستمر بينها الصراع كما نراه في غرب البلاد.
وقد لعبت العقلية الليبية، أو الشخصية الليبية، التي كتب عنها المنصف ونّاس كتابا بهذا العنوان، حلل فيه تلك الشخصية في ضوء ثالوث القبيلة والغنيمة والغلبة، لعبت الدور الأكبر في تشكيل الصراع، وفي صياغة المشكل السياسي.
فالشخصية الليبية (القاعدية) عرّفها وناس بأنها محصلة تراكمات تاريخية واقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية تمتد طيلة آلاف السنين، طبعت الإنسان الليبي بطابع خاص وأكسبته صفات معينة، وتحكمت إلى حد ما في تمثلاته للحياة وسلوكياته وخاصة في علاقاته الاجتماعية.
فالتنوّع العميق والتعدد في هوية الأقوام والحضارات التي تعاقبت على أرض ليبيا طبعت الشخصية الليبية، بخصائص معينة وأكسبتها صفات عديدة لا يمكن إلغاؤها بسهولة ولا إنكارها لسبب أو آخر.
وأيًا ما كان الأمر، فإن حصر التأثيرات أو المحددات السلوكية للعقلية الليبية في ثالوث القبيلة والغنيمة والغلبة، قد يعطي انطباعًا دائمًا بالصراع والتضاد والاحتراب، برغم أن ثمة محددات أخرى للعقلية الليبية تعمل بشكل مقابل للمحددات الثلاثة سالفة الذكر، وتعمل على الحد من تأثيرها السلبي، وهذه المحددات هي: الهوية، والدين، والأخلاق؛ فهي أهم محددات الشخصية الليبية، وتعمل بشكل متوازن مع المحددات المقابلة لها، بل وتعمل بشكل أقوى، وهي السبب في استمرار ليبيا برغم الانقسام السياسي، موحدة على الصعيد الاجتماعي، بل ويمكن بسهولة الوصول إلى حل للمشكل السياسي لو أتيحت الفرصة لهذه المحددات لتلعب دورها الذي كان حاضرًا طيلة تاريخ ليبيا.
فإذا أردنا تناول هذه المحددات الثلاثة بشيء من التفصيل، فسنجد أن أول هذه المحددات، وهو عنصر الهوية الذي يعني الشعور الجمعي بالانتماء إلى هوية واحدة، أكثر شمولية من الهوية القومية، العربية أو الأمازيغية أو غير ذلك، وأكثر خصوصية من الهوية الإقليمية، فالليبيون ينتمون إلى المحيط العربي، لكن هويتهم الأكثر خصوصية هي الهوية الليبية؛ وشعورهم بهذه الهوية يعزز احتياجهم للوحدة وعدم الانقسام، ويؤكد شعور التناصر والمصير الواحد، لذا لا غرو فيما حدث في سرت التي تنادى لها الليبيون واشتركوا جميعًا لاستئصال شأفة التنظيم الإرهابي، من خلال ما عرف بعملية البنيان المرصوص.
ثم يأتي الدين كعنصر أساسي، ومحدد رئيس من محددات الشخصية الليبية، فالليبيون مسلمون، ولديهم جرعة تدين يتميزون بها عن باقي الشعوب، ما يجعل من السهولة رجوعهم إلى الحق، وجنحهم للسلم، ورغبتهم في قطع الطريق أمام أي احتراب يؤدي إلى سفك دم المسلم بيد أخيه المسلم.
ثم يأتي محدد الأخلاق، الذي قوامه الأسرة الليبية التي تتشابه في القيم التي تغرسها في أبنائها، فالليبيون متحدون في كونهم شعبًا تغلب عليه المحافظة، والكرم، والإيثار، وحسن الجوار، والنجدة للملهوف، وهذه كلها أمور من شأنها أن تسهل وأد أية فتنة في مهدها.
لذا فالعمل على محددات السلوك الإيجابية، ينبغي أن يكون محط اهتمام النخب في المجتمع، تلك النخب التي يفترض أنها مزيج من الوجهاء الاجتماعيين، وأساتذة الجامعات، والجهاز القضائي، والكتاب والمفكرين، الذين يجب أن ينادوا للتفكير في كيفية لتحريك هذه المحددات الثلاثة، الهوية، والدين، والأخلاق، في مقابل محددات القبيلة والغنيمة والغلبة، من أجل حل المشكل السياسي، وإلى التوصل إلى صيغة مشتركة، ووفاق يعبر بالبلد، ويخرجها من هذا النفق، وهذا المأزق التاريخي.
