خارطة طريق

بقلم/ عبد المجيد قاسم
كثيرًا ما بات الليبيون يسمعون بهذا المصطلح، خارطة طريق، منذ أن خطت بلادهم على مسار الضياع، وانعدام البوصلة، وكثرة الربابنة.
فهذا المصطلح، أي خارطة الطريق، يدل على أن الجميع قد ضل الطريق، وفي حاجة إلى خارطة للوصول إلى بر الأمان.
لكن الخرائط كثرت، وكلما فشلت خارطة، جاء من يحاول أن يبتكر خارطة أخرى غير الأولى، وتعددت الخرائط بتعدد مبعوثي الأمم المتحدة في ليبيا، فالخارطة يجب أن تكون بإشراف الأمم المتحدة، لأن التائه لا يسعه أن يضع خارطة لنفسه، وإلا ما كان ضائعًا تائهًا تتقاذفه الأمواج.
فمنذ اندلاع الأزمة الليبية سنة 2011، تعاقب على بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عدد من المبعوثين الدوليين، كلٌّ منهم جاء بخارطة طريق جديدة أو معدّلة، حاملة في ظاهرها الأمل، وفي باطنها التعثر، بدأ المسار بعبد الإله الخطيب، الذي أوفدته الأمم المتحدة في لحظة احتدام الأحداث، وتلاه إيان مارتن الذي ركّز على مرحلة ما بعد القذافي، ودعم الانتخابات ومشاريع إعادة البناء المؤسسي، لكن هشاشة الواقع تجاوزته، ثم طارق متري الذي سعى إلى تقريب الفرقاء بخطابه الأكاديمي، لكن تفجّر المواجهات المسلحة في 2014 بدّد مساعيه، ثم جاء برناردينو ليون بحوار الصخيرات الشهير، الذي أنتج اتفاقًا هشًا سرعان ما تسربت الخلافات من ثقوبه، تلاه مارتن كوبلر الذي حاول فرض الاتفاق واقعًا دون نجاح، ومع غسان سلامة ظهرت فكرة “الملتقى الوطني”، لكن الضغوط الدولية والإقليمية أثقلت عليه حتى استقال، ثم تولت ستيفاني ويليامز المهمة بالوكالة، واقترحت آليات مبتكرة لتقاسم السلطة، غير أن ضعف الالتزام المحلي حال دون تنفيذها، وقاد يان كوبيش البلاد إلى تشكيل حكومة وحدة، لكنه عجز عن تأمين الانتخابات، أما عبد الله باتيلي فقد حاول فرض جدول زمني صارم، لكنه استقال بعدما اصطدم بجمود المشهد، قبل أن تتسلم هانا تيته المهمة مطلع 2025، وسط ضبابية كثيفة وتآكل للثقة في كل خارطة تُرسم على الورق ولا تمشي في الواقع.
فالأثر الفعلي لكل تلك المبادرات ظل محدودًا، لأن خرائط الطريق – مهما تنوعت وتناسلت – لم تجد في الأرض الليبية طريقًا ممهدًا، كان كل مبعوث يبدأ من نقطة لا تكمّل سلفه، بل أحيانًا تنقضه ضمنيًا، فتتوالد المبادرات وتتقاطع المسارات دون أن تنضج تسوية واحدة.
كما أن الأطراف المحلية، التي أدمنت التعامل مع الخارج أكثر من تعاملها مع الوطن، وجدت في كل خارطة طريق مهربًا جديدًا من الاستحقاق الوطني الحقيقي، لا سلّمًا للانتقال إليه، وانتهى الأمر بأن تحوّلت ليبيا إلى حقل اختبار دبلوماسي، تتغير فيه الوجوه وتتناوب فيه العناوين، فيما بقي الجرح الليبي مفتوحًا، لا يندمل ولا يُترك في سلام.
وهكذا، تحوّلت “خارطة الطريق” من مفهوم يُفترض أن يرسم طريق الخروج من الأزمة، إلى مصطلح استهلاكي فقد رصانته، وتحوّل إلى ما يشبه التهدئة المؤقتة أو التخدير السياسي، فلم تكن المشكلة يومًا في غياب الخرائط، بل في غياب الإرادة، واختلال البوصلة، وكثرة الربابنة، ممن ركبوا السفينة لا لينقذوها، بل ليقتسموا ما بقي من حطامها.
وفي خضم هذه الخرائط، كانت تفرز قيادات لم نكن نسمع عنها، فكل خارطة تأتي مفصلة، بطرقها واتجاهاتها ومساراتها ومن سيقود القافلة، لذا عندما يكتشف العالم أن الخارطة ليست صحيحة، ولن تصل بليبيا إلى بر الأمان، فإن إلغاء الخارطة التي تمت بجرة قلم، والتفكير في خارطة جديدة يكلف كثيرًا، فالقيادات التي أفرزتها الخارطة الأولى لا يمكن إزالتها بمجرد جرة فلم، بل يتطلب الأمر اتفاقًا سياسيًا، وربما تحركًا عسكريًا، وفي كل مرة يخرج القادة الذين جلبهم الحظ بنصيب الأسد من أموال الليبيين، ليختفوا كما ظهروا.
والإشكالية لا تزال قائمة، فخارطة الطريق الأخيرة التي رسمت في جنيف، والتي فشلت هي الأخرى لم يتم التخلص من شخوصها بعد، بل يعملون جاهدين على البقاء أطول قدر من الزمن، رغم أن ذهابهم بات حتميًا.
كما أن راسمي خرائط الطرق السابقة لم يتعلموا بعد من فشلهم السابق، ولم يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن أسباب الفشل.
فأسباب فشل مسارات الحل السابقة والقائمة كانت بسبب تغييب صوت الداخل عند وضع هذه المسارات، فلم يتم إشراك لا المجالس الاجتماعية، ولا الشباب، ولا بيوت الخبرة وأولها الجامعات، بل تم الاعتماد على رؤية أحادية تمثل فقط مصالح الدول الفاعلة في الملف الليبي.
وحتى اللجنة الاستشارية التي شكلتها بعثة الأمم المتحدة، وتمخض عملها عن مسارات أربعة للحل، عكفت على وضع هذه الخيارات خلف أبواب مغلقة، فلم نسمع أنها قامت بفتح حوار مجتمعي حول الحل في ليبيا، حتى يمكن الاطمئنان إلى ما توصلت إليه، لذا كان ما توصلت إليه أشبه بملخص لكل خرائط الطريق التي فشلت، وتقديمها على أنها مسارات للحل.
الأمر في نظري يحتاج إلى تأصيل، ومراجعة، ودراسة حقيقية لأسباب الأزمة السياسية في ليبيا، وحصر لمعوقات الحل، ومن ثم وضع الحلول، أو لنقل وضع خريطة للطريق.
كما أن تحديد من له حق وضع خريطة طريق لحل الأزمة في ليبيا من الأهمية بمكان، وهنا يمكن القول إن الليبيين هم الأحق بوضع مسار الحل لأزمة بلادهم السياسية، وكان على بعثة الأمم المتحدة أن يكون عملها محصورًا في تقريب وجهات النظر، والعمل على جمع الفرقاء على طاولة واحدة للاتفاق على مسار سياسي يخرج البلاد من النفق المظلم الذي دخلته ولم تخرج منه.
وقبل هذا وذاك يحتاج الأمر إلى إرادة وطنية يكون همها الوصول بليبيا إلى بر الأمان، وإبعاد شبح التقسيم عن هذا البلد الذي يحمل في طياته بذور الوئام والوحدة، وبذور التقسيم كذلك، فأي البذور يحظى بالرعاية هو المرشح للإنبات أكثر من غيره.
لقد آن الأوان لنعترف بأن كثرة الخرائط ليست دليلًا على البحث الجاد عن المخرج، بل ربما دليلا على التردد، والتشظي، وتكرار الدوران في الحلقة نفسها. وما لم تُوضع خارطة الطريق في يد الوطن، ترسمها عقول أهله وقلوبهم، فكل ما يُرسم في الخارج سيبقى حبرًا على ورق.. والجرح سيظل مفتوحًا، يتجدد مع كل محاولة رتْق لا تُبنى على وعي، ولا تُفضي إلى وفاق.
