صعود الدولة الإقليمية

بقلم/ عبد الله ميلاد المقري
في ظل تصاعد التوترات في المنطقة، وبعدما سقطت ليبيا بغزو أطلسي وخليجي، كانت الجامعة العربية الفاسدة قد شرعنت لهذا الغزو وهذا العدوان. وسبق ذلك حروب شُنت على العراق، وصعد الخط البياني مُعطيًا سلسلة من الحروب على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وجريمة غزة من قبل آلة القتل الصهيوني، حتى كانت بيروت ودمشق المرحلة الأكثر عدوانية، دونما توقفت حالات العدوان الشرسة الإرهابية.
وقد أظهرت الجمهورية الإسلامية الإيرانية قدرتها المتنامية على ترسيخ موقعها كقوة إقليمية محورية، تمارس نفوذها العسكري الاستراتيجي والسياسي في معادلات الشرق الأوسط، وتعيد رسم توازنات القوى بعيدًا عن القطبية الأحادية التي فرضتها واشنطن لعقود.
الشعب الإيراني، المسالم، صاحب الحضارة التاريخية العريقة، الذي دفع ثمنًا باهظًا من الدماء والتضحيات، نجح في تحويل هذه التحديات غالية الثمن إلى فرص لبناء منظومة مقاومة وطنية شاملة، تدمج بين العقيدة والقدرات العسكرية المتطورة. وكان آخرها مشهد الرد الاستراتيجي عبر الصواريخ الإيرانية التي تخطّت الأجواء، لتبلغ أهدافًا حساسة ومخفية على أعين المقاومة الفلسطينية، وتبعث برسائل واضحة إلى الخصوم: أن زمن الهيمنة المطلقة قد ولّى.
وإن ردة الفعل الإيرانية بضرب المواقع الحيوية في منطقة الخليج، بما في ذلك المراكز العسكرية الأمريكية، حملت أبعادًا سياسية تتجاوز الميدان، إذ أحرجت القيادة الأمريكية وأخافتها، ودفع الرئيس الأمريكي إلى التراجع التكتيكي، في حين ظهر وكيله الصهيوني في المنطقة، رئيس الوزراء الإسرائيلي، عاجزًا مرتعشًا أمام وقع الصواريخ، لا يملك سوى إطلاق التصريحات المحبطة، وحشد قادة مؤسساته الأمنية الإرهابية لمنع المحكمة الصهيونية من تجريمه بتهم الفساد.
هذا التحول الجيوسياسي لا يخص إيران وحدها، بل ينعكس على معادلات الصراع العربي–الصهيوني، تاريخيًا ووجوديًا. إن تحوّل طهران إلى “عاصمة المواجهة” يعني الكثير، ليس فقط على مستوى الجغرافيا السياسية، بل في رمزية التحدي التي تمثلها لدولٍ راهنت طويلًا على الحماية الغربية.
في المقابل، تستشعر أطراف عدة في المنطقة الخطر، لأنها لا ترى في قوة المقاومة الإيرانية واليمنية والفلسطينية واللبنانية إلا تهديدًا لمصالحها، رغم أنها تعيش على أرضٍ عربية تتوق شعوبها للكرامة والسيادة، وليس للارتهان والذل. هؤلاء القابعون في قصورهم لن يعجبهم الحديث النضالي الرافض للوجود الاستعماري في المنطقة، لأنهم اعتادوا ترديد الخطاب الجاهز المهزوم، خارج ضرورات التاريخ وحقائقه.
فالمواجهة ليست حتمًا الخيار الأفضل، لكنها عندما تُفرض تصبح الخيار الوحيد لشعبٍ قرر أن يكون صامدًا، ولأمةٍ تسعى لاستعادة موقعها بين الأمم. وبذلك، يبقى الحق في مقاومة الظلم والعدوان مشروعًا، وتبقى الكلمة الحرة المكافحة جزءًا من معركة الوعي، والثقة في نفوس المواطنين لا تقل أهمية عن الصواريخ التي تمر على فضاءات الخليج المرعوب.
