هل الفلسفة منهجية أم مذهبية؟

بقلم/ فرج بوخروبة
تموت الفلسفة إذا تحولت إلى جمع المعلومات دون منهج، وإلى تصنيف المعارف دون طريقة في الاستدلال، فالفلسفة أساسًا منهج أو طريق وليست معرفةً أو علمًا، وقد كانت معظم التحوُّلات الأساسية في الفكر البشري تحوُّلات في المنهج أكثر منها زيادة في المعارف والعلوم؛ لذلك كان المنطق أو مناهج البحث جزءًا من الفلسفة.
إذن الفرق بين المنهج والمذهب أن الأول هو الوسائل أو الآليات التي يتم بها بحث الظواهر، والمذهب هو النتائج التي ينتهي إليها الباحثون. فهل تاريخ الفلسفة يعتمد على كونها منهجًا أم مذهبًا أم كليهما معًا؟ وبتعبير آخر: هل الفلسفة في جوهرها منهج أم مذهب؟ هل سؤال أم جواب؟
الفلسفة بطبيعتها ليست «مذهبًا» إذا فهمنا الكلمة هنا بالمعنى السياسي أو الأيديولوجي، بل هي منهج في البحث النظري، وهذا المنهج يمتاز بأنه لا يخضع لقواعد مسبقة، بل مبتكرة، فالفيلسوف حينما يقترح منهجًا فإنه يفتح بابًا جديدًا للنظر العقلي في الظواهر، وحينما يتابعه تلامذته فإنهم لكي يكونوا فلاسفة لا يكتفون بأخذ المنهج كما هو بحذافيره. من هنا نرى أن “إدموندهوسرل” طرح منهج الظواهريات (الفينومينولوجيا) ولكن تلامذته مثل إنغاردن وهايدجر وسارتر وميرلوبونتي لم يكتفوا بما سنه أستاذهم، بل طوروا وعدَّلوا في هذا المنهاج الفلسفي، ولو أخذوا المنهج واكتفوا بتطبيقه لما كانوا فلاسفة، بل علماء أو باحثون، نخلص من هذا أن الفلسفة بطبعها فردية وحرة، وانخراطها في تيار إيديولوجي أو براغماتي سيكون نهايتها كما حدث للماركسية التي تحولت على يد لينين ومن معه من فلسفة حرة إلى مذهب إيديولوجي مغلق.
لكن إن كان مفهوم «المذهب» يعني التوجه الفكري العام واتفاق الفلاسفة على مناقشة موضوعات معينة بطرق نظرية محددة فالمذهب هنا ضروري وهو بمثابة الأساس لقيام «تقاليد فلسفية»، والتقاليد تعني إرثًا فلسفيًّا يمثل أفقًا لإنشاء النص الفلسفي، وهي ليست تقاليد بالمعنى الأنثروبولوجي والتي من ماهيتها الإجبار والتكليف.
الفلسفة كمذهب ظهرت منذ ظهور التفكير الفلسفي، وأبرز المذاهب هو المذهب الأفلاطوني وهو مجموعة مبادئ واقتراحات وحلول لمشكلات معرفية وأخلاقية وسياسية، ورغم أن الأفلاطونية كانت مهمة جدًّا في ترسيخ دعائم التفكير الفلسفي فإن تاريخ الفلسفة بطبعها يميل إلى تجاوز الجانب المذهبي في كل تيار ويكتفي بالجانب المنهجي، وهكذا فإنك لا تجد أحدًا اليوم يؤمن بالأفلاطونية أو الرشدية أو الهيجيلية بحذافيرها، بل يكتفي الفلاسفة باستلهام تلك المذاهب والبناءات الميتافيزيقية والاستفادة من المنظومة المصطلحية التي نشأت في ظلالها، وعلى هذا فإن أفلاطون لا يزال حاضرًا في الأكاديمية وفي الخطاب الفلسفي المعاصر، ولكن لا بوصفه ذلك المفكر الإيديولوجي الذي أنشأ مدينة فاضلة قائمة على الطبقية، بل ذلك الباحث والمتسائل أمام الظواهر الغريبة كالوجود والكمال والحب والجمال ونحوها.
في ليبيا مثلًا بدأت بوادر أول ظهور للفكر الفلسفي في ستينيات القرن العشرين، وهي مبشرة وتشهد إقبالًا من الشباب المفكرين. ولكي تحقق الفلسفة تقدمًا فلا بد أولًا من الاعتراف بها من قبل «الأكاديمية الليبية»، فمن المخجل أن لا تدخل الفلسفة لدينا ضمن مناهج التعليم، ثانيًا، لا بد من الوقوف ضد أي توظيف إيديولوجي للفكر الفلسفي، صحيح أن هناك من يتلقف الأفكار الفلسفية ويستثمرها في السياسة وميدان النشاط والتواصل الاجتماعي، لكن هذا العمل لا بد أن يكون مستحضرًا فكرة أن الفلسفة ليست إيديولوجيا، بل هي منهج للتأويل والفحص والدراسة والنقد، فانخراط الفلسفة في العمل الاجتماعي ينبغي أن يكون نقديًّا لا “مذهبيًّا رساليًّا”، إذن فمن خلال إطلاع الطالب الليبي والقارئ الليبي على الفكر الفلسفي ومناهجه ومن خلال تجنب السجال الإيديولوجي يمكن للفلسفة في بلدنا أن تحقق نجاحًا باهـرًا.
