مقالات الرأي

المقاطعة الشعبية بين الغضب والحلول الجذرية

بقلم/ محمود امجبر

المقاطعة الشعبية ليست سوى صدى لغضب الناس تجاه الوضع الاقتصادي القائم، لكنها لا تمثل حلًّا جذريًّا طالما أن كل مؤسساتنا وثرواتنا ومصرفنا المركزي تخضع لاقتصاد السوق، وتقع تحت سيطرة لوبيات المال الدولي التي يديرها لصوص المال العام بلا رادع. إن الحل الحقيقي لا يكمن فقط في الامتناع عن شراء المنتجات أو مقاطعة بعض الجهات، بل في إعادة بناء منظومة اقتصادية عادلة تحمي المواطن من الاستغلال، وتضمن وصول السلع الأساسية بأسعار مناسبة، وتمنع تحكم السوق السوداء في قوت الناس.

ما نحتاج إليه اليوم ليس مجرد مقاطعة عابرة، بل مجموعة من التدابير الجوهرية التي تعيد التوازن إلى المجتمع، مثل منع الاحتكار والاستغلال، دعم السلع الأساسية، مكافحة رفع الأسعار، وضمان استمرارية الخدمات الضرورية، الجمعيات الاستهلاكية، الأسواق العامة، التشاركية الشعبية، والمستشفيات والمدارس العامة، كلها أدوات يجب تعزيزها لضمان حياة كريمة للمواطنين، بعيدًا عن طمع المتنفذين وسلطتهم المطلقة على الاقتصاد.

لقد شهدت ليبيا تجارب ناجحة في الماضي، حيث استطاعت بعض المعالجات الاقتصادية أن تضع حلولًا ملموسة للكثير من الأزمات، لجان التطهير، على سبيل المثال، لم تكن مجرد شطحات سياسية أو محاولات عبثية لمواجهة الفساد، بل كانت وسيلة فعالة لحماية المواطن من تغوُّل السوق السوداء، وضمان توفر الخدمات الأساسية، ومكافحة الاستغلال والاحتكار. تلك السياسات منعت ظهور طبقات اجتماعية جشعة تعتمد على نهب قوت الناس، ووضعت قيودًا على الثراء الفاحش الناتج عن التحكم في حياة المواطنين.

إعادة قراءة التاريخ ليست رفاهية، بل ضرورة لفهم كيف يمكننا استعادة السيطرة على ثرواتنا ومؤسساتنا. لا يمكن تحقيق العدالة الاقتصادية والاجتماعية ما لم تكن هناك إرادة حقيقية لاستعادة القيم والمبادئ التي ضاعت وسط صراع النفوذ والهيمنة المالية. نحن بحاجة إلى بناء مستقبل قائم على المساواة والعدالة، مستقبل يُعيد الثقة إلى المواطن ويمنحه حقه في العيش بكرامة بعيدًا عن طغيان السوق وسلطة المال الفاسد.

زر الذهاب إلى الأعلى