بين الحقيقة والتغيير.. رحلة الوعي والإدراك

بقلم/ المهدي الفهري
رغم أن الحقيقة ونقيضها لا ينفصلان عن بعضهما، لكنهما لا يجتمعان في آن واحد، فمن يؤمن بالحكمة لا يشغله الجهل، ومن يؤمن بالحب لا تزعجه الكراهية، والإنسان الذي يؤمن بالحق لا تترك الافتراءات والأكاذيب أثرًا في ذهنه، والأهم هو معرفة طريقة عمل القوة الانتقائية للعقل، وكيف نستطيع تطويعها في صقل الأفكار النافعة والمفيدة واتخاذها مقياسًا ثابتًا لمدى رقينا وتحضرنا وفي حماية أنفسنا من الأفكار الضارة والشريرة، فالاستقرار العقلي والاتزان النفسي ودقة الملاحظة تشكل أسس الثقافة العالية وبداية ونشأة العقل المفكر والمبدع والمتحرر، وكلما اتسعت معرفتنا كانت قراراتنا صائبة ومتزنة.
ومع أن البحث عن قواعد جديدة لتنوير العقول وإيقاظ القلوب يحتاج إلى جهد ووقت وعناء كبير بيد أن الدعوة إلى ذلك شيء لازم ورائج بين الحين والآخر لكي نُخلص أنفسنا من الغلو ومن الغفوة والغفلة التي تتراكم مع التواكل والقعود وتجبرنا أحيانًا على أن نصنع من وقتنا وقتًا للتأمل والتفكر نحو الارتقاء بالذات والمجتمع لعله يغنينا عن الخلوة والانزواء ويجنبنا كثيرًا من التكاسل والركود ويدفعنا إلى عدم الاستسلام إلى الواقع والخضوع للوضع الموجود ويعزز من قدراتنا على الابتكار والإبداع والسير بخطوات في مسار التغيير والتطوير الذاتي والتمدد نحو الخيال الخصب الذي يعيد شحن ذواتنا بكل ما هو جميل ورائع ومفيد ويصب في نهاية المطاف في تحرير عقولنا وصقل تجاربنا ومعارفنا وقدرتنا على الحياة بسبل سهلة وبسيطة وراقية ومحاولة الاستفادة منها في غرس روح الانتماء والوعي الحضاري في وعي الأجيال وطنًا ولغة وثقافة لتكون عاملًا أساسيًّا في تطوير حياتهم وتوسيع مداركهم والعمل على توسيع القدرات العقلية والخروج من الدائرة الضيقة المحيطة بنا، فالأفكار لا تعتمد على شخصية صانعها فقط، بل تعتمد أيضًا على شخصية متلقيها الذاتية مما يحتم علينا أن نكون أكثر إدراكا وقدرة على فهم سلوكيات الغير ويهيئنا ويلزمنا للتفاعل والتعامل معهم بنوع من المرونة والأريحية ويساعدنا على التعلم والتعرف على العالم من حولنا بما يضيف تجارب وخبرات جديدة لخبراتنا وتجاربنا ويوسع من رؤانا ومداركنا ويجعلنا أكثر إحساسًا واستمتاعًا واستجابة لمعطيات الحياة ومتغيراتها المختلفة وينقلنا إلى التعامل مع الحياة بأمل جديد ورجاء متجدد ونظرة تفاؤل تمنحنا القدرة على إزاحة الصورة النمطية التي تقبع في مخيلتنا وفي ذاكرتنا لتحررنا من العُقد والوهم وتفتح لنا الآفاق الرحبة للتفكير السليم الذي يقودنا بدوره إلى مشهد يختزل الكثير من الحقيقة وإلى مرحلة من النضج والرضاء تسمح لنا بإعادة اكتشاف أنفسنا وتتيح لنا أيضًا فرصة الاطلاع على طرق التفكير الواعي على مر العصور والعثور على خصائص الهوية الحضارية والثقافية والتاريخية والتنقيب عن جوانب الضعف والقوة فيها نتيجة التكرار المستمر للأفكار المتشابهة والناشئة عن تاريخ الأمة ونضالاتها وما يطرا عليها من تغيير وتعديل وتكوين للأفكار الوطنية الراسخة لتتواكب مع الحضارة وتتناسب مع طبيعة العصر ومعطياته، ومن خلال تواصل تنمية القدرات والبحث الدائم عن علاقات ومبادرات جديدة والانطلاق نحو العمل على رقيها وترقيتها عبر صياغة خطط تبعث نوع من الفعالية لتعزيز الجهد المضني وتكريس الحرص على بلوغ الهدف المطلوب والوصول إليه بإتقان لتحقيق حياة أسعد لها قيمة ولها معنى تترجم وتنعكس على سلوكياتنا وتصرفنا وتتحول بالتالي الى أيقونة يقلدها ويعشقها الجميع وتنعكس نتائجها وآثارها على خيارات الناس وسلوكهم بإدراك ووعي وربما تتحول إلى سبب من أسباب التغيير والتصالح مع الغير والتوجه نحو الأفضل والأرقى والأبقى.
