مافيا وميليشيا.. وجريمة غير كاملة

بقلم/ عفاف الفرجاني
كعادتي وبعد نشر مقالي في الصحيفة أنقله إلى صفحتي الشخصية بالفيسبوك، كنت أنشره مصحوبًا بصورة قصاصة من الصفحة الثالثة التي تحوي مقالي وأخبارًا محلية، في ذات ليلة جاءني اتصال على تطبيق (المسنجر) يخرج منه صوت أجش يحمل غضبًا، ليقول هل تعرفينني؟ هل لديك مستمسك أنني تاجر بشر؟
هل عندكم إثبات أني مهرب؟ طلبت منه أن يخفض صوته أولًا لكي أفهم، وإلا سأغلق الهاتف، طبعًا بعد ما عرفت أنه عبدالرحمن ميلاد الملقب بالبيدجا، وأن هناك خبرًا قد تم نشره في صحيفتنا يحمل عنوان (مهرب البشر البيدجا يعود إلى المشهد)، كان في ذات الصفحة التي أنشر فيها مقالتي.
طلبت منه الهدوء لسماعه، ما قاله عبدالرحمن من توضيحات وقفت عندها اليوم كحقائق بعد اغتياله.. قلت له أنت ترفض تسميتك بمهرب البشر بينما مجلس الأمن هو من وضعك على قوائم المطلوبين دوليًّا، أجابني بشيء هز داخلي، قال أتصدقين مجلس الأمن وهو الذي صنف نظامكم السابق بالإرهابي والقاتل، أتصدقينه!! ووصفكم بالقتلة؟
وهنا صحوت على حقيقة أن الغرب لا يسعون إلى استقرار ليبيا، وطالما سهام الاتهام تتجه إلى عبدالرحمن إذن عبدالرحمن على حق رغم خلفياته السابقة.. هنا أكمل: طالما أنا مطلوب كيف أستطيع السفر إلى إيطاليا بشكل مستمر!! لماذا لم يتم القبض عليَّ؟
عرفت حينها المغزى، الشاب تكلم بتجرد عن الضغوطات التي مورست عليه من الحكومة الإيطالية التي تكيل بمكيالين حيث ترفض استقبال المهاجرين غير الشرعيين ومنها تهريب الوقود والأسلحة والمخدرات، وتسرق الثروة البحرية من خلال جرافاتها داخل مياه ليبيا الإقليمية، يقول إن التهم التي وجهت له من خلال مجلس الأمن لرفضه التعاون مع الطليان، وهم يبحثون عن شخصية أكثر مرونة كبديل له، إلا أن عبدالرحمن أخبرني أنه خريج الكلية البحرية في سنة 2007 وأنه ضابط قديم، يعشق مهنته، طلب مني الرجوع إلى الرابط الذي سيرسله إليَّ للاطلاع عن جدية مشروعه في تنظيم الأكاديمية البحرية بمنطقة (جودائم)، وفعلًا اطَّلعت على كل نشاط عبدالرحمن حيث الجدية والانضباط وتخريج الدفعات في مجال البحرية، حتى آخر دفعة، والتي رأينا دموع عبدالرحمن غير المتكلفة تنهار وهو يشاهد حفل التخرج.
ما يقال عن عبدالرحمن وانقسام الرأي العام حول هذه الشخصية المثيرة للجدل وعن بدايتها التي كان حالها حال الكثيرين ممن غرر بهم شيء، ولكن اغتياله له أبعاد، ربما الرواية الصحيحة أن العملية والتعليمات كانت خارجية، لمخالفته الأوامر.. كل المعطيات تشير إلى أن هذا الشخص لن يعيش طويلًا خاصة بعد إيقاف ناقلات تهريب النفط وإيقاف الصيد المخالف بجرافات داخل مياهنا الإقليمية، ولأنه استعاد حب الوطن في جوفه لانتمائه للأكاديمية البحرية التي طالها التخريب إبان أحداث فبراير.
المغدور به عارض مشروع المافيات العالمية التي تتحكم في أمن واستقرار ليبيا، وهذه نهاية محتومة وليست مستغربة لكل من تواطؤوا في يوم ضد بلادهم ولو كانوا في غفلة من وعيهم، وهذا الواقع الذي يعيشه الكثيرون إن لم ينفذوا التعليمات التي تأتي من الخارج، إلا أن المحزن والمخزي أن تكون أدوات التنفيذ ليبية.
وأيضًا هذه رسالة العدو المباشرة والصريحة لكل من يحاول المساهمة في بناء جيش مؤسسات الدولية وخاصة العسكرية منها لتعرفوا غايات وأهداف العدو في جعل بلادنا دولة محطمة وفاشلة ترتع فيها المافيا وعصابات التهريب والجريمة المنظمة.
