مقالات الرأي

مواعيد المنجمين!!

مصطفى الزائدي

‏تعَوَّد الناس نهاية كل عام وبداية جديد أن ينتظر المنجمين والمحللين ليتعرف عن ماذا عساه العام القادم أن يحمل في ثناياه للأفراد والبلدان، وتتنافس القنوات الفضائية والإذاعات المختلفة على استضافة أولئك المنجمين والمحللين في موسم مربح، حيث تتضاعف نسب المشاهدة وترتفع الإيرادات من المعلنين والمعلنات، وتتسابق صفحات التواصل الاجتماعي فينقل المقاطع المختلفة.
السؤال لماذا يحدث ذلك رغم أن الكل يعلمون أن عالم الغيب أمر لم يكتشف بعد، وعلمه عند الله وحده، صحيح أنه ربما بعض القراءات المعمقة للأحداث قد تبين لبعضهم احتماليات تطورها ونتائجها وما سيترتب عليها، لكن لم يستطع أي من كان إلى الآن أن يجزم بأن شيئا محددا سيتحقق! أما المنجمون فبالرغم من أن وجودهم ضارب في أعماق التاريخ الإنساني، فإنهم عادة ما يقعون في أخطاء فادحة ويظهر كثيرا كذبهم، حتى وإن صدقت بعض توقعاتهم، لذلك يحاول معدو برامج التنجيم أن يبرهنوا على كفاءة ودقة من يستضيفون منهم، بإذاعة مقتطفات من برامجهم السابقة ليقولوا إن شيئا ولو قليلا تحقق، وهذا ممكن، لأن أغلب التنجيمات تكون في شكل عموميات يمكن إسقاطها على أي حدث! وبالتأكيد لا يأتون من بعيد ولا قريب على النسبة الأكبر التي لم تكن إلا كلاما مرسلا وفي الهواء!
‏ليس من اهتماماتي التنجيم ولا المنجمين، ولست في وارد أن أخصهم بمقال في نهاية العام، لكن ما أصاب بلادنا وأمتنا من انحطاط وانحدار وتخلف يفرض، بعض الأحيان، أن نطرح السؤال: ماذا عسانا نتوقع في العام القادم؟ المختصر الذي لا يقوله المنجمون، بعيدا عن حظوظ المال والزواج واليسر وأبواب الرزق والسفر الخ.. فإنني أستطيع القول إن الحال عندنا سيبقى على ما هو عليه! ليس بسبب اقتران المشتري والأرض ولا بلوتو وغيره، بل بسبب اقتران الرأسمالية المتوحشة والمسيحية المتطرفة واليهودية الأكثر تطرفا، ومحاولاتهم الاستمرار في سيطرتهم وسطوتهم على العالم واستحواذهم على ثرواته، فهذا الاقتران المدمر هو الذي أنتج الهيمنة على الوطن العربي والجنوب العالمي والشرق العالمي، حيث دول الغرب محدودة المساحة والسكان تهيمن بالقوة وبالدعاية والمال على الكرة الأرضية شبه كلي، وتستحوذ على معظم ثرواتها، ولا تتورع في اتباع كل الوسائل لتحقيق ذلك بما فيها القتل بكل الوسائل!
ما يحدث اليوم في غزة لا يمكن فصله عن أحداث ما سمي زورا الربيع العربي، ولا على محاولات محاصرة روسيا ومنع الصين من التقدم والعبث بدول إفريقيا وأمريكا الجنوبية وآسيا الجنوبية وغيرها، فسبب ما يجري واحد وهو محاولة لاستمرار الاستعمار الغربي للعالم الذي أخذ في الأفول بعد الحرب العالمية الثانية، فطور الغرب وسائله وبدل بعض تكتيكاته، ولعل الوسيلة الأكثر استعمالا الآن هي الدعاية للسيطرة على العقول ومنع أي فرصة للمقاومة والتحرر، خاصة بعد نجاح دول العالم الثالث في افتكاك الاستقلال ومحاولات بناء دول وطنية بسيطة وإن كانت على نفس الحدود التي رسمها الاستعمار وقيم بها جغرافيا العالم لتأمين نفوذه، لذلك استمرت تدور في فلكه، وأبقى الغرب على قواعد له في شكل دول من تركيبته الثقافية، كإسرائيل في قلب الوطن العربي وتايوان في الشرق الأقصى وكوستاريكا في جنوب أمريكا، وتصنيع جورجيا وأوكرانيا لإزعاج روسيا وغيرها، أو بقواعد عسكرية في كثير من دول العالم والسيطرة على البحار
‏من خلال أساطيل ضخمة.
في ضوء هذه القاعدة الذهبية “هيمنة ثلاثي الشر” يمكننا أن نتوقع ما يخبئه العام القادم لنا، فكل المؤشرات تقول سيبقى الحال على ما هو عليه، سنشهد مزيدا من الحوارات العبثية، والعراك بالسلاح بين المجموعات المسلحة، وازدياد حجم الفساد كما ونوعا، ولن تجرى انتخابات قد تمكن الشعب من تقرير مصيره، ولن تنشأ سلطة تنفيذية وطنية تهتم بمشاكل الناس وتعمل على حلها، وستستمر المافيا الدولية في نهب الأموال الليبية واستغلال ثرواتنا، من خلال المؤسسات الفاسدة، وستبذر الأموال ذات اليمين وذات الشمال، ولن يصلح حال التعليم وسيصل انهيار القطاع الصحي مدايات قياسية، وقد ينجح مزيد من البلهاء والجهلة في تبوؤ مراكز قيادية في الدولة، وستجد مؤامرة التغيير الديمغرافي والتقسيم مزيد الدعم الغربي، ببساطة لأن موقع ليبيا وثرواتها ووعي شعبها معطيات مهمة تمنع تحالف الشر من رفع يده عليها!

زر الذهاب إلى الأعلى